حسن الأمين

94

مستدركات أعيان الشيعة

عصره بالورع حتى نسبت له بعض الكرامات ، وقد نشا الجواد بين رعاية هذا الوالد البر وتوجيه ذلك الجد الورع نشأة علمية دينية ، وكان في سلوكه الشخصي قد نزع إلى التصوف وارتدى الملابس السود حتى لقب ب ( سياه پوش ) أي لابس السواد ولزمه هذا اللقب إلى ما بعد وفاته فلا يكاد يعرف بغيره ، ومن هنا كان هذا اللون من الهجاء في شعره ظاهرة غريبة تستوقف الدارس طويلا . كان شاعرنا الجواد في غمرة الصراع الذي احتدم بين الأصوليين والأخباريين قد أخذ بالطريقة الاخبارية ، وتعصب لها ، وخاصم وخوصم من أجلها ، فقد تلمذ على شيخ الأخباريين يوم ذاك الميرزا محمد الاخباري الذي قتل في الكاظمية سنة 1233 ه‍ ، وقرأ عليه كتابه ( ذخيرة الأحباب ) المعروف ب ( دوائر العلوم ) والذي نسخه الشاعر بخطه وصححه على مؤلفه ، وأخذ اجازته منه ، وبعد أن خضدت شوكة الأخباريين ، وظهرت عليهم طريقة الأصوليين التي حمل لواءها الشيخ محمد باقر الشهير بالوحيد البهبهاني لقي الجواد - كما لقي أمثاله - جفاء من رجال الدين ، وعنتا من العامة فدفعه ذلك إلى شيء من التمرد والجموح في السلوك ، وهنا تكمن بواعث هذا الهجاء ودواعيه ، فالهجاء سلاح الشاعر وعدته في خصوماته وملاحاته ، وقد تصدى الجواد بهذا السلاح لخصومه ، ولم يسلم منه حتى الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء ، يقول المحقق [ الظهراني ] الطهراني : « رأيت مجموعة جمع فيها شعره وشعر بعض معاصريه فيها الطعن على أساطين الشريعة كالشيخ الأكبر وغيره ، وفيها هجاء مقذع أعاذنا الله منه وتجاوز الله عنه » . وقصيدته في هجاء بيوتات بغداد المعروفة آنذاك لا يزال صداها يتردد فيما يحفظه الناس من أبياتها ، وأكثر ما كان يصدر عنه هذا الهجاء أثر حادث جدال أو مشادة بينه وبين خصومه الأصوليين ، من ذلك قصيدته الجيمية التي تمثل هذا اللون من شعره ، انما نظمها - كما يقول - أثر مشاجرة له مع بعض أعلام أهل زمانه قال فيها : فكم حشري أحمق متشرع بشرعة أهل الظن ضل كحجاج بغى باجتهاد فارتاى بحقوقنا وأنسج دعوى حقه اي انساج عم وهو لا يدري ويزعم أنه عليم ، وحاشا ليس كالهالك الناجي فلا زلت أهجو أمة الظن معشرا أبى الله الا أن أكون لها الهاجي خوارج فاقوا في عمى فدعوتهم باجناد إبليس فهاموا باخراجي على أنه بدأ هذه القصيدة بلون من الفخر عليه طابع التعالي والغلو حيث قال : انا الحقلا ما يدعيه ابن حلاج أنا البحر سار العالمون بامواجي أنا العلم والنور القديم أنا النهى لعرش والكرسي نورا بابهاجي أنا الآية العظمى أنا العقل والحجى أنا الفلك الأعلى سموت بابراجي أنا ابن رسول الله وابن وصيه علي أبي السبطين زين بهم ناجي بلغت إلى معراج أسرار حكمة الأعاظم أشياخي ولله معراجي سريت بعز الله أسمو إلى العلا بتحقيق نهج الحق سيري وإدلاجي وأحسب ان هذا اللون من الفخر من وادي ذلك الهجاء ، والبواعث نفسها هي تلك البواعث ، ونكتفي هنا بهذه القصيدة مثلا لأهاجيه الكثيرة ، وفخره الموغل في الغلو . ولعل من غلوه في الفخر تلقيبه نفسه بالأمير السجاعي ، على اني لم أتبين ما السجاعي أهي بالسين المهملة من السجع أم بالشين المعجمة من الشجاعة ، والأمير هي الأخرى في حاجة إلى تبيين ، على من كان الرجل أميرا ، وفي أي مضمار كانت هذه الإمرة . ثم استمع اليه في تقديمه لمقطوعة من شعره بعث بها إلى الشيخ عبد الباقي جلبي كاتب العربية في بغداد مهنئا له بحكومته في الحلة الفيحاء ، يقول : « بايع المؤلف سنة 1231 هثم نكث البيعة أياما ، ومال إلى البرانجة ، وارتد ، ثم بايع بعدها ، والله أعلم بحاله الآن . . . » ، وهذه البيعة هي ثالثة الأثافي في الغموض أهي بيعة خلافة أم بيعة أهل التصوف أم ما ذا ؟ وقد أشار إلى مثل هذه البيعة أيضا في تقديمه لقصيدته النونية في رثاء الشيخ محسن الأعسم ، فقد قال عنه : « كان من المحبين المخلصين للناظم ( يعني نفسه ) مبايعا لحضرة علاه ، ولم يزل في أيام حياته إذا تكلم أحد على المؤلف الناظم من الخوارج مما هم أحرى به دفع وذب عنه حماية لدين خاتم النبيين وأولاده المنتخبين سلام الله عليهم أجمعين » . وفي القصيدة السابقة بعد ذلك لمسة صوفية قوية ، وشاعرنا كما قلنا نزاع إلى التصوف في تفكيره وسيرته ، وما يدرينا لعل هذا المنحى في التفكير والسلوك هو الآخر كان صدى لما لقيه من جفاء معاصريه وخصومة مناوئيه ، شاعرنا متصوف بلا ريب فهو لا يذكر أحد الصوفية الا بقوله « أخونا » وقد عارض كافية ابن الفارض المعروفة فقال : حي منا الحشا بطيب شذاكا واسكن القلب انه مغناكا عد على وامق بحبك مضنى سقمه منك برؤه من لماكا تهت في الحسن والملاحة دلا وتركت الورى حيارى هواكا فاز قبلي ابن فارض وبسبق فاقني حيث فاز في مرآكا فامنح القرب واكشف الحجب عنا وصل الصب وأهمل النساكا كل عضو مني بحبك حي نصب عيني اني أميل أراكا