حسن الأمين
84
مستدركات أعيان الشيعة
المحافل والمجتمعات ، ويرفعون لواء العربية في مختلف الدوائر الحكومية والمؤسسات ، كانوا اخوان صدق ، صدقوا في ما عاهدوا الله عليه ، وظلوا على العهد ، حتى استوفوا آجالهم واحدا أثر واحد « . الدكتور أسعد الحكيم رئيس أطباء مستشفى ابن سينا للأمراض العقلية خبرته في المستشفى زهاء ربع قرن قلبت مفاهيم مرض الجنون لم يكن في دمشق ، في آخر عهد الدولة العثمانية ، أي مستشفى خاص بالأمراض العقلية ، كما أن الاختصاص بتلك الأمراض لم يكن موجودا . كان المصابون بها ، يتجولون في الشوارع على غير هدى ، وهم عالة على ذويهم . كانت تلتقطهم الشرطة وتسوقهم إلى مأوى خاص ، لا شفقة عليهم أو سعيا وراء معالجتهم ، بل خوفا من أذاهم وضررهم ، إذ كانوا في أغلب الأحيان ، يعتدون على المارة ويشبعونهم ضربا وشتما . وكان المأوى المذكور يعرف باسم ( المارستان ) ولا يزال موجودا حتى وقتنا الحاضر عام 1992 غير أنه أصبح متحفا لمشاهير العرب في علم الطب وهو كائن في طريق المارستان الممتد من سوق الحميدية حتى ساحة الحريقة . كان المرضى في هذا المأوى يعاملون كالحيوانات الضارية ، كانت أيديهم وأرجلهم مقيدة بسلاسل من حديد ، والطعام يلقى إليهم عبر نافذة صغيرة . وغني عن البيان بان معاملتهم على هذا النمط كان من شأنها أن تزيدهم مرضا . أما السوريون المنعمون فكانوا يرسلون مرضاهم إلى ( مستشفى العصفورية ) الكائن بالقرب من بيروت والمستشفى المذكور كان مؤسسة أجنبية يقصده مرضى العقول من لبنانيين وسوريين وعراقيين وأردنيين وايرانيين وسعوديين . وكان أغلب أطبائه من الأخصائيين الأجانب ، وبقي ردحا من الزمن الملاذ الوحيد لمرضى منطقة الشرق الأوسط . ثم أسست حكومة دمشق مستشفى للأمراض العقلية في قرية المزة لقد توجت مديرية الصحة العامة عملها الإنساني الجديد بان عهدت إلى الدكتور أسعد الحكيم ، بإدارة المستشفى وهو الطبيب الذي حباه الله صفات جعلت منه أبا وأخا وقيما على المصابين بامراض عقلية أو نفسية . وسنرى آثار الأعمال الجبارة التي قام بها ، خلال نيف وربع قرن تمكن خلالها من تحويل بعض مرضاه إلى أناس عاديين يكسبون قوتهم بكد أيديهم ، وعرق جبينهم بعد خروجهم من المستشفى ، بحيث يصبحون عمالا زراعيين أو أصحاب مهن ، بعد أن كانوا تحت سيطرة السوط يعاملون كالأغنام أو بقسوة أشد . بذل جهودا كبيرة لتهيئة ممرضين وممرضات باعطائهم دروسا نظرية وعملية تمكنهم من فهم مرضاهم ، والتحكم بهم عند الحاجة . تقديرا لخدماته ولجهوده المتواصلة أوفدته مديرية الصحة العامة للتخصص بالأمراض العقلية والنفسية في جامعة باريس ومستشفياتها . فتابع الدروس النظرية في كلية الطب ، ولازم أشهر أساتذة الأمراض العقلية في التشخيص والاستقصاء لمعرفة أسباب المرض وتعلم لغة التخاطب مع المرضى فاقدي العقل والإدراك . بقي مع أساتذته ، في مستشفى شارنتون للأمراض العقلية ، يعاين المرضى ويتابع حركاتهم وفهم لغتهم . وقد دامت إقامته في باريس أكثر من سنة ، وبعد عودته إلى دمشق وضعت مصلحة أملاك الدولة ، المبنى القديم الذي تملكه في مركز ( القصير ) من أعمال قضاء دوما ، مع الأرض التابعة له والبالغة مساحتها خمسون ألف متر مربع تقريبا تحت تصرف مديرية الصحة العامة لاتخاذه مقرا لمستشفى الأمراض العقلية . تسلمت دائرة الصحة البناء المذكور ، وبعد أن قامت بترميمه وإدخال الاصلاحات الضرورية عليه دشنت افتتاحه بحفلة رسمية تحت اسم : « مستشفى ابن سينا للأمراض العقلية » . انتقل المرضى من المزة إلى المقر الجديد . وعين لادارته موظف خصص له ولعائلته جناح خاص ليكون على الدوام بالقرب من المرضى ، في الليل والنهار كما خصص ، ضمن جناح النساء مشغلا خاصا لتعليم الخياطة والتطريز وشغل الإبرة وكوي الألبسة ، مع قاعة واسعة لعرض منتوجات المشغل وبيعها . أما المرضى من الرجال فقد خصهم الدكتور الحكيم باعمال زراعية ومهنية كالتجارة والدهان وتقشيش المقاعد ، وبعض أعمال المطبخ . . . إلخ . وللوصول إلى غايته لجا الدكتور إلى أيدي مهرة لتعليم المرضى وتدريبهم على الأعمال الزراعية والمهنية تحت إشرافه وسمعه وبصره . فعينهم تحت اسم ( ممرضين وممرضات ) لفترة محدودة . وقد أبلى هؤلاء بلاء حسنا في تنفيذ المخطط الذي وضعه وكانوا خير مدرسة لهؤلاء المرضى الذين أصبحوا ، بين عشية وضحاها من المنتجين المثمرين بعد أن كانوا عالة على المجتمع . من هنا كانت تظهر كفاءة هذا الطبيب النفساني الذي سجل في هذا المضمار نتائج قيمة من جراء صبره وتجلده وتفهمه نفسية كل مريض والأسباب التي آلت إلى فقدان عقله . وكان يردد على الدوام ( ان معرفة السبب تسهل الشفاء ) وان المبدأ القائل « داوني بالتي كانت هي الداء » له الأثر الفعال في هذا المجال . لقد اتبع الدكتور الأسلوب التالي في تفهم مرضاه ومعالجتهم : في الأسبوع الأول من دخول المريض إلى المستشفى ينتدب الدكتور ممرضا لملازمة المريض وتسجيل حركاته وسكناته والتحدث معه ، كصديق في مواضيع مختلفة ، ويقدم بذلك تقريرا مفصلا إلى الدكتور مع التنويه إلى الإشارة أو الفكرة أو الكلمة التي كان المريض يرددها ، في أثناء حديثه أكثر من غيرها كان يكرر مثلا فكرة الطلاق ، الزواج ، الإرث ، خيانة الزوجة ، الانتقام . . إلخ يحضر الممرض مع تقريره إلى مكتب الدكتور وهنا تبدأ الأسئلة والأجوبة ، عن الحب ، الطلاق ، الإرث ، الربح ، الحزن . . . إلخ وفي كل جواب كان الدكتور يقرأ أسرار مريضه من ملامح وجهه ويقدر درجة انفعالاته وعند ما يشعر بان مريضه أعطى انتباها خاصا لإحدى هذه الأسئلة كالزواج مثلا يعود ويستأنف الحديث عن الزواج بصورة أوسع كان يقول لمريضه ، جميلة ، بشعة ، هل تريد أن تتزوجها ؟ أبوها موافق ؟ هل تحب غيرها ؟ لما ذا لا تسرع وتخطبها قبل أن يطلبها ابن عمها ؟ . . . كانت تلك الجلسات