حسن الأمين
33
مستدركات أعيان الشيعة
الدين محمد وشرف الدين ظفر ، فكان جزاؤه بعد موته وتمهيده استقلال الدولة العباسية أن قبض على ابنيه المذكورين وأعدما بطريقة الغدر [ ] والاحتيال ، وهذه الأفعال المنكرة أعني التنكيل بالمخلصين للدولة تدل على اختلال الحكم فيها . إن الذي ارتكب هذه الجرائم باسم السياسة رجل دخل هو وأبوه في خدمة الدولة وتدرج في المراتب حتى صار أستاذ دار الخلافة بعد أبيه ، وهو عضد الدين أبو الفرج محمد المعروف بابن رئيس الرؤساء وبابن المسلمة ، وأيده أبناؤه . وكان الخلفاء العباسيون في عصورهم المتأخرة قد استحدثوا منصبا جديدا تحت الوزارة سموه « نيابة الوزارة » فاستناب الخليفة المستنجد بالله بعد موت الوزير الكبير ابن هبيرة قاضي القضاة أبا البركات جعفر بن عبد الواحد الثقفي . ثم رأى تحكم أستاذ الدار عضد الدين بن المسلمة المذكور في أمور الدولة فبحث عن وزير أيد حازم ضابط ، فوجده وهو أحد ولاته ويدعى شرف الدين أحمد بن محمد بن البلدي . وكان ناظرا بواسط وذا كفاية عظيمة . قال ابن الأثير في حوادث سنة 563 ه : « في هذه السنة استوزر الخليفة المستنجد شرف الدين أبا جعفر أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن البلدي . وكان عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء قد تحكم تحكما عظيما فتقدم ( 1 ) الخليفة إلى ابن البلدي بكف يده وأيدي أهله وأصحابه ففعل ذلك « ، وكان الخليفة المستنجد بالله راغبا في اتباع آثار الخلفاء الصالحين . وأراد هذا الوزير أن يجري حكم الشريعة في السرقة وينفذ حدودها ، فقبض سنة 564 هعلى أحد موظفي الدولة واسمه الحسين بن محمد السيبي وعلى أخيه الأصغر - وكانا ابني عمة أستاذ الدار عضد الدين ، فأمر بقطع يد الحسين ورجله وحمله إلى المارستان فمات فيه ، قال ابن الأثير : « قيل إنه كان عنده صنج يقبض بها ، ويحمل إلى الديوان بالصنج الصحيحة . وكان الأصغر عامل المارستان » . وبيان ذلك أنه كان عنده عيار أثقل من عيار الدولة الصحيح يستوفي به حقوق الدولة لأن الدنانير كانت تستوفي في الغالب بالوزن لا بالتعداد ، ويحمل إلى بيت المال بالعيار الصحيح ، ويستولي على الفرق . فلذلك عد سارقا ، وطبقت عليه أغلظ العقوبات في حدود السرقة المعنية . والذي يبعث الأسى والأسف على هذا الرجل السييء الحظ انه كان أديبا شاعرا . وبهذه الحادثة تحول التنافس الشديد بين أستاذ الدار عضد الدين والوزير ابن البلدي إلى عداوة زرقاء ، تراق فيها الدماء ، وترتكب فيها أسوأ الأسواء . وأخذ أستاذ الدار يهتبل الفرص للإيقاع بالوزير ، فانضوى أولا إلى مقدم الجيوش العباسية أيامئذ وهو قطب الدين قايماز التركي الأصل ، المقتفوي - نسبة إلى الخليفة المقتفي لأمر الله لأنه كان من مماليكه - وفي سنة 566 همرض الخليفة المستنجد بالله مرض الموت ، أو مرضا حادا . وكان قطب الدين قايماز وأستاذ الدار عضد الدين قد خافا منه أشد الخوف ، وخشيا أعظم الخشية من تأييده الوزير ابن البلدي ، فاتفقا على الائتمار به مع طبيبه المعروف بابن صفية ليقتلاه بشبهة الطب ، فوصف له الطبيب دخول الحمام مع أنه كان مصابا بالحمى المحرقة أي التيفوئيد فأبى أن يدخل الحمام لضعفه ، ولكنهم أدخلوه إياه مرغما ، وأغلقوا عليه الباب فمات وكان ذلك في تاسع شهر ربيع الآخر من سنة 566 هالمذكورة آنفا . قال ابن الأثير « كان المستنجد بالله من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية ، عادلا فيهم ، كثير الرفق بهم ، وأطلق كثيرا من المكوس - يعني أبطلها - ولم يترك بالعراق شيئا منها ، وكان شديدا على أهل العيث والفساد والسعاية بالناس » وذكر بعد ذلك حكاية نادرة تدل على شدة إنكاره للسعاية . وهكذا قضى نحبه هذا الخليفة العادل المتيقظ ، فقد ائتمر به الخونة الغدرة من رجال الدولة فأسرعوا وفاته ، قيل إنه أمر وزيره ابن البلدي باستئصال زعيميهم ، فتريث في ذلك وفاتته الفرصة ، وقرع سنه ندما ودعي إلى دار الخلافة لمبايعة الخليفة الجديد وهو أبو محمد الحسن ابن المستنجد بالله فلما دخلها أدخله خصماه عضد الدين وقطب الدين في موضع منها ، وأمرا رجالا مسلحين من أصحابهما بقتله وتقطيعه إربا إربا ، ثم رموا أشلاءه في نهر دجلة ، واستولى الخصمان المذكوران على جميع ما في داره ، فرأيا فيها فيما رأيا أوامر من الخليفة المستنجد بالله يأمره فيها بالقبض عليهما وجوابه بالكف عنهما ، ولكن العداوة لا تعرف الحدود . يأبى النظام الوراثي في الحكم إلا أن ينتكس وينعكس ، وهكذا انتكست الدولة العباسية في نهضتها الأخيرة ، وولي خليفة مستضعف ولقب « المستضيء بأمر الله » . وشرط المؤتمران بابيه أن يكون عضد الدين وهو أحدهما وزيرا ، ويكون ابنه كمال الدين عبيد الله أستاذ دار الخلافة . ويكون قطب الدين قايماز مقدم الجيوش وهو المؤامر الآخر ، ولبث الخليفة المستضيء بأمر الله كالمحجور عليه بدار الخلافة . واتفق في عهده انقراض الدولة الفاطمية بمصر سنة 567 والخطبة باسمه فيها . ولم تهدأ أحوال الخلافة العباسية ، فقد بدأ النزاع بين المتأمرين الاثنين قطب الدين قايماز وعضد الدين محمد الوزير ، فكل منهما يريد السلطة العليا والتحكم التام في
--> ( 1 ) تقدم فلان بكذا : أي أمر به ، وهو الغالب في الاستعمال على هذا الفعل .