حسن الأمين

30

مستدركات أعيان الشيعة

وكان معهم راهب مطاع فيهم ، وكان داهية من الرجال ، فقال لهم : إن المسيح ( ع ) كان له حربة مدفونة بالقسياد الذي بأنطاكية ، وهو بناء عظيم ، فان وجدتموها فإنكم تظفرون وان لم تجدوها فالهلاك متحقق . وكان قد دفن قبل ذلك حربة في مكان فيه وعفى أثرها ، وأمرهم بالصوم والتوبة ، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام . فلما كان اليوم الرابع أدخلهم في الموضع جميعهم ومعهم عامتهم والصناع منهم ، وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر ، فقال لهم : أبشروا بالظفر ، فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة وستة ، ونحو ذلك . فقال المسلمون لكربوقا : ينبغي ان نقف على الباب فنقتل كل من يخرج ، فان أمرهم الآن وهم متفرقون سهل ، فقال : لا تفعلوا ، أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم ، ولم يتمكن من معاجلتهم . فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين ، فجاء إليهم هو بنفسه ومنعهم ونهاهم . فلما تكامل خروج الفرنج ، ولم يبق بأنطاكية أحد منهم ، ضربوا مصافا عظيما ، فولى المسلمون منهزمين ، لما عاملهم به كربوقا أولا من الاستهانة بهم والاعراض عنهم ، وثانيا من منعهم من قتل الفرنج . وتمت الهزيمة عليهم ، ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم . وآخر من انهزم سقمان بن ارتق وجناح الدولة لأنهما كانا في الكمين وانهزم كربوقا معهم . فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة ، إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله ، وخافوا ان يتبعوهم ، وثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة . وطلبا للشهادة ، فقتل الفرنج منهم ألوفا ، وغنموا ما في المعسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة ، فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم . ( انتهى ) . وعند ما ينهي ابن الأثير كلامه هذا يشير إلى أن ما اتاحه تصرف كربوقا وخيانة القادة السلاجقة الآخرين هي التي رسخت عزم الصليبيين على الزحف إلى القدس بعد ما عراهم من الياس والانخذال ، فيقول : « لما فعل الفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا إلى معرة النعمان » . مسؤولية السلاجقة وأتباعهم كان ابن الأثير واضحا في تحميل السلاجقة مسؤولية نجاح الصليبيين في اختراق بلاد الشام والوصول إلى القدس . السلاجقة وأتباعهم ابتداء من كربوقا ووصولا إلى بقية الأمراء القادة المرافقين له ، مع اختلاف نوع المسؤولية بين كربوقا وبين بقية الأمراء . لقد استطاع كربوقا ان يجيش الجيوش الإسلامية ويجمع جموعها من الموصل حتى بلاد الشام ، وان يحرك العرب والأتراك وكل من هو في طريقه الطويل من شمال العراق حتى شمال الشام ، وفي هذا المدى الواسع من القوى البشرية ما يتالف منه جيوش جرارة ، وهذا ما كان ، وما أكده ابن الأثير في عباراته الصريحة . وهذا ما أدركه الصليبيون الذين كانوا يعانون الوهن وقلة الأقوات ، - كما يقول ابن الأثير - بعد تلك الرحلة الطويلة التي بدؤوها من قلب أوروبا وصولا إلى أنطاكية . ومما زاد في وهنهم وانخذالهم ما عانوه في حصارهم لانطاكية ، حتى عادوا وكأنهم المحاصرون ( بفتح الصاد ) لا المحاصرون ( بكسرها ) . وقد كانت المجاعة قد حلت بهم لانعدام موارد القوت فيهم ، فلم يجدوا سبيلا لاتقاء الجوع سوى التحول إلى عصابات تحاول نهب القرى والمزارع ، ولكن أهل هذه القرى والمزارع عرفوا كيف يصدونهم ويفتكون بهم - كما تقدم - فدب الياس فيهم ، وبدأوا يتسللون من جيشهم هاربين . وحين نعلم أنه كان في طليعة الهاربين الرجل الأول في الدعوة إلى إشعال الحرب الصليبية ، وبطل جمع جموعها وتحريض الجماهير على الانضمام إلى جيوشها ، أعني بطرس الناسك . وحين نعلم أن الفرار من الجيش الصليبي الجائع الواهن قد تعدى العامة إلى القادة ففر أمثال ( ستيفن ) كونت بلوا . حين نعلم ذلك ، ندرك إلى أي مدى كان الصليبيون يائسين منخذلين واهنين جائعين وهم حول أنطاكية . ولولا خيانة خائن كان داخل أنطاكية لارتد الصليبيون عن أنطاكية وفشلت الحملة الصليبية من أساسها . لقد دخلوها على وهنهم وجوعهم ، وظلوا على هذا الوهن والجوع وهم داخلها ، لأن أسباب الوهن والجوع كانت لا تزال قائمة ، فلا مصادر للقوت تقيهم الجوع وتدفع عنهم الوهن . وصلت الحملة السلجوقية إلى أنطاكية والصليبيون على تلك الحال ووصلتهم اخبار ضخامة الجيوش التي أخذت تحاصرهم لذلك قرره الاستسلام - كما ينص على ذلك ابن الأثير - . وهذا يعني ان الحملة الصليبية قد فشلت وان جيوشها وقوادها على وشك ان يسقطوا اسرى في أيدي المسلمين ، وان القدس التي كانت هدفهم قد سلمت ، وانتهى أمرهم ، ولم تعد تقوم لهم قائمة . فما ذا غير ذلك كله ، وما ذا أحال ومنهم إلى قوة وجوعهم إلى شبع وما ذا غيرهم من موقف طالب الاستسلام إلى المهاجم المنتصر ؟ ان ابن الأثير يفصل لنا ذلك بعبارات مقتضبة ، فهو يقول : « . . . ولما سمعت الفرنج ( بقدوم الجيوش الإسلامية الكثيفة عظمت عليهم المصيبة وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم » . ثم يسترسل ابن الأثير قائلا : « وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظنا منه انهم يقيمون معه على هذه الحال ، فاغضبهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال وعزموا على إسلامه عند المصدوقة » . عوضا عن أن تبعث كثرة الجند وضخامة الجيش في نفس كربوقا : التواضع لله على أن وفقه لقيادة مثل هذه القوة الكبرى ، وعوضا ان يحمد الأمراء على استجابتهم لدعوته ويتألفهم ويتواضع لهم ، عوضا عن ذلك ، عاد إلى طبيعته فرأى في تلك الحشود الإسلامية مجرد اتباع له ، وفي أولئك الأمراء مجرد مأمورين له ، فازدهاه ذلك فتكبر وتجبر وعامل الأمراء بمهانة احفظتهم وغيرت نواياهم لا عليه وحده ، بل على الموقف كله ، فانقلبوا من متحفزين لنصرة الإسلام ، إلى ناوين خيانة الإسلام .