حسن الأمين

28

مستدركات أعيان الشيعة

سيطرة الدولة الجديدة لقد صور لنا المقريزي في الكلام الذي تقدم ذكره الفوضى التي وصلت إليها البلاد حتى اضطر المستنصر إلى استدعاء بدر الجمالي من خارج مصر ليضبط الأمور ويعيد للدولة هيبتها ويبسط سلطتها ، إذ كان معروفا عن بدر حزمه وكفاءته ، فكان في نظر المستنصر الرجل المأمل لتلك المهمة العسيرة . ويصف لنا المقريزي في خططه ما جرى مكملا كلامه السابق الذي نقلنا بعضه فيما تقدم قائلا : « كتب المستنصر اليه ( بدر ) يستدعيه ليكون المتولي لتدبير دولته فاشترط ان يحضر معه من يختاره من العساكر ولا يبقى أحدا من عسكر مصر ، فأجابه المستنصر إلى ذلك ، فاستخدم معه عسكرا وركب البحر من عكا في أول كانون وسار بمائة مركب بعد ان قيل له ان العادة لم تجر بركوب البحر في الشتاء لهيجانه وخوف التلف ، فأبى عليهم وأقلع ، فتمادى الصحو والسكون مع الريح الطيبة مدة أربعين يوما حتى كثر التعجب من ذلك وعد من سعادته . فوصل إلى تنيس ودمياط واقترض المال من تجارها ومياسيرها . وقام بأمر ضيافته وما يحتاج اليه من الغلال سليمان اللواتي كبير أهل البحيرة . وسار إلى قليوب فنزل بها وأرسل إلى المستنصر يقول : لا ادخل إلى مصر ( والمقصود بمصر هنا القاهرة ) حتى تقبض على ( بلدكوش ) وكان أحد الأمراء وقد اشتد على المستنصر بعد قتل ابن حمدان ( 1 ) ، فبادر المستنصر وقبض عليه واعتقله بحزانة الجنود . فقدم بدر عشية الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة خمس وستين وأربعمائة . فتهيأ له ان قبض على جميع أمراء الدولة . وذلك أنه لما قدم لم يكن عند الأمراء علم من استدعائه ، فما منهم الا من أضافه وقدم اليه ، فلما انقضت نوبتهم في ضيافته استدعاهم إلى منزله في دعوة صنعها لهم وبيت مع أصحابه ان القوم إذا اجنهم الليل فإنهم لا بد يحتاجون إلى الخلاء ، فمن قام منهم إلى الخلاء يقتل هناك . ووكل بكل واحد واحدا من أصحابه وأنعم عليه بجميع ما يتركه ذلك الأمير من دار ومال وأقطاع وغيره ، فصار الأمراء اليه وظلوا نهارهم عنده وباتوا مطمئنين . فما طلع ضوء النهار حتى استولى أصحابه على جميع دور الأمراء وصارت رؤوسهم بين يديه ، فقويت شوكته وعظم امره ، وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المفور وقلده وزارة السيف والقلم . فصارت القضاة والدعاة وسائر المستخدمين من تحت يده ، وزيد في ألقابه : ( أمير الجيوش كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين ) . وتتبع المفسدين فلم يبق منهم أحدا حتى قتله . وقتل من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم جماعة . ثم خرج إلى الوجه البحري فاسرف في قتل من هنالك من ( لواتة ) واستصفى أموالهم وأزاح المفسدين وأفناهم بأنواع القتل . وصار إلى البر الشرقي فقتل منه كثيرا من المفسدين ، ونزل إلى الإسكندرية وقد ثار بها جماعة مع ابنه الأوحد فحاصرها أياما من المحرم سنة سبع وسبعين وأربعمائة إلى أن أخذها عنوة وقتل جماعة ممن كان بها وعمر جامع العطارين من مال المصادرات وفرغ من بنائه في ربيع الأول سنة تسع وسبعين و [ ابعمائة ] أربعمائة . ثم سار إلى الصعيد فحارب جهينة والثعالبة وأفنى أكثرهم بالقتل وغنم من الأموال ما لا يعرف قدره كثرة فصلح به حال الإقليم بعد فساده . . . إلى أن يقول : فلما كان في سنة سبع وثمانين وأربعمائة مات في ربيع الآخر [ ] 487 وقيل في جمادى الأولى [ ] 487 منها وقد تحكم في مصر تحكم الملوك ولم يبق للمستنصر معه امر ، واستبد بالأمور فضبطها أحسن ضبط . وكان شديد الهيبة وافر الحرمة مخوف السطوة ، قتل من مصر خلائق لا يحصيها الا خالقها . منها انه قتل من أهل البحيرة نحو العشرين ألف إنسان إلى غير ذلك من أهل دمياط والإسكندرية والغربية والشرقية وبلاد الصعيد وأسوان وأهل القاهرة ومصر . الا انه عمر البلاد وأصلحها بعد فسادها وخرابها بإتلاف المفسدين من أهلها . وكان له يوم مات نحو الثمانين سنة . وكانت له محاسن منها : انه أباح الأرض للمزارعين ثلاث سنين حتى ترفهت أحوال الفلاحين واستغنوا في أيامه ، ومنها حضور التجار إلى مصر لكثرة عدله بعد انتزاحهم منها في أيام الشدة ، ومنها كثرة كرمه . وكانت مدة أيامه بمصر احدى وعشرين سنة . وهو أول وزراء السيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر . إلى أن يقول : وقام من بعده بالأمر ابنه شاهنشاه الملقب بالأفضل بن أمير الجيوش . وكان المقريزي قد قال من قبل عن الأفضل وهو يتحدث عن أبيه بدر : واستناب ولده شاهنشاه وجعله ولي عهده - كما مر - . وبتسميته ابنه ( ولي العهد ) يكون قد أكمل إعلان قيام الحكم الملكي الجديد على أنقاض الحكم الفاطمي المنهار . وتكون دولة جديدة قامت في مصر هي وحدها المسئولة عما جرى في عهدها من احداث . مصير الدولة الجمالية كما سيطر الأفضل على الدولة أيام المستنصر كذلك سيطر عليها أيام المستعلي وبعد المستعلي وقيام عهد ( الآمر ) استمرت سيطرته محكمة كما في السابق ويقول المقريزي عن موت المستعلي وتولى الآمر : « فلما مات المستعلي ، أقام الأفضل من بعده في الخلافة ابنه الآمر باحكام الله ( ج 1 ص 357 ) وهكذا فان استبداد الأفضل في شؤون الحكم قد وصل إلى أنه هو الذي ينصب الخلفاء ويقيمهم وجاء في كتاب ( أدب مصر الفاطمية ) للدكتور محمد كامل حسين ص 52 نقلا عن المقريزي وهو يروي بعض الأحداث ما نصه : » وكان إغلاق هذه الدار العلمية وقع [ وقع ] الصاعقة على الخليفة الفاطمي الآمر باحكام الله ، ولكن الخليفة كان مسلوب الإرادة مع وزيره فصبر على مضض . على أن الآمر قرر التخلص من السيطرة ( الجمالية ) والقضاء نهائيا على هذه الدولة التي قامت إلى جانب الخلافة الفاطمية فحرمتها من سلطتها وحجرت على خلفائها واستبدت بالأمور دونها . فرأى أن أفضل طريقة للتخلص من ( الجماليين ) هي اغتيال الأفضل ، وان ذلك يتم بان

--> ( 1 ) ناصر الدولة الحمداني وكان قد استبد بالمستنصر وسيطر على الحكم .