حسن الأمين
12
مستدركات أعيان الشيعة
« كان أبو نواس يرتعي ( 1 ) على خوان إسماعيل بن نوبخت كما ترتعي الإبل في الحمض ( 2 ) بعد طول الخلة ( 3 ) ، ثم كان جزاؤه أنه قال : خبز إسماعيل كالوشي « 4 » إذا ما شق يرقا ثم قال الصدر : « أبو نواس مات سنة ثمان وتسعين ومائة وقيل : قبل ذلك ، فلا بد أن يكون إسماعيل بن إسحاق المذكور من أعيان المائة الثانية ولا أعرف إسماعيل قبله في آل نوبخت » . ثم استند إلى قول الميرزا أفندي في أن إسماعيل بن نوبخت كان معاصرا لأبي نواس الشاعر ولكن ليس لدينا أي دليل على أن اسمه إسماعيل ، لا إبراهيم ومع هذا الشك يبقى دليل السيد الصدر مشكوكا فيه . وزعم عباس إقبال الآشتياني ( 4 ) ان أبا إسحاق بن نوبخت صنف الياقوت في حدود 340 ق - 950 وله دلائل متعددة تؤيد نظره واشتهر هذا القول عنه بين المستشرقين ( 5 ) . وأما ما ذهب اليه ابنا نوبخت في معنى المكلف ، على ما قاله السيد المرتضى ( 6 ) ، فلا نعلم ما المراد منهما ، لا سيما إذا علمنا أن الشيخ ابن نوبخت ذهب إلى خلاف ما نسب إلى ابني نوبخت في معنى المكلف . نقل بول كراوز عن الميرزا محمد خان القزويني أن منهج أبي إسحاق بن نوبخت في تأليف الياقوت يدل على أن عهد المؤلف قريب من عهد العلامة الحلي ( ت . [ 776 ] 726 ه ) . واعتقد هنري كوربن أن أبا إسحاق هو أول من نظم الفلسفة الإسلامية في كتاب الياقوت في حدود 350 ه - 961 م وتبعه خواجة نصير الدين الطوسي وأتم فعله . وقد أشرنا إلى أقوال العلماء في تحديد عهد المؤلف ونحن نعتقد أن المؤلف عاش بين النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن [ السابع ] السادس ولنا دلائل متعددة نشير إليها بالاختصار كما يلي : 1 - إن المعتقدات الكلامية للمصنف في هذا الكتاب لا تناسب الأفكار التي نسبها الشيخ المفيد إلى بني نوبخت في كتاب أوائل المقالات والتي نسبها السيد المرتضى في كتاب الذخيرة والشيخ الطوسي في كتاب تمهيد الأصول في علم الكلام . والظاهر أن ولفرد مادلونغ هو أول من نبه على هذا الموضوع من المقارنة بين أقوال بني نوبخت في أوائل المقالات وكتاب الياقوت واعتقد ان زمن تأليف الياقوت يجب ان يكون القرن الخامس أو بعده . 2 - ذهب أبو إسحاق بن نوبخت إلى أن مناط حاجة الممكن إلى العلة هو الإمكان . وقال خواجة نصير الدين الطوسي : « والقائلون بكون الإمكان علة الحاجة هم الفلاسفة والمتأخرون من المتكلمين والقائلون بكون الحدوث علة لها هم الأقدمون منهم » . والجدير بالذكر أن خواجة نصير الدين الطوسي ولد في 597 هومات في 672 هوهذا يدل على أن أبا إسحاق كان معاصرا لنصير الدين الطوسي . 3 - شرح هذا الكتاب ابن أبي الحديد المعتزلي الذي مات في سنة 656 هوهذا يعني ان زمن تأليف الياقوت لا يكون بعد النصف الأول من القرن السابع والمقارنة بين هذا الكتاب وكتاب محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين لفخر الدين الرازي ( ت . 606 ه ) تكشف لنا أن الياقوت قد ألف على ترتيب كتاب الرازي والمؤلف - أي أبو إسحاق - قبل بعض آراء الرازي ورد على البعض الآخر . آراؤه الكلامية : نشير إليها كما يلي : 1 - ذهبت الحكماء إلى زيادة الوجود على الماهية في الذهن ، لا في الخارج واستدلوا على ذلك بصحة سلب الوجود عن الماهية وبافتقار حمل الوجود على الماهية إلى الدليل وبانفكاك الماهية من الوجود في الذهن وبلزوم اتحاد كل الماهيات لو كان الوجود عينا لها وبلزوم التسلسل لو كان الوجود جزءا للماهية . أما أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري وأبو إسحاق بن نوبخت فذهبوا إلى أن الوجود هو نفس الماهيات ، واجبة كانت أو ممكنة . 2 - ذهب الشيخ أبو إسحاق إلى أن الايمان هو التصديق القلبي فقط ، كما ذهب اليه كمال الدين بن ميثم في قواعده وجمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلي في إرشاده وأما المحقق الطوسي والعلامة الحلي فذهبا إلى أنه التصديق بالقلب واللسان معا وذهب ابن أبي الجمهور الأحسائي إلى أن الايمان لغة هو التصديق وأما شرعا فهو التصديق القلبي للرسول في كل ما علم مجيئه به بالضرورة ، أي فيما علم أنه من الدين ، بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال ، كوجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك . 3 - ذهب الشيخ أبو إسحاق بن نوبخت إلى أن الأجسام يجوز خلوها عن الأعراض الا اللون والطعم والرائحة كالهواء وذهبت المعتزلة والحكماء وفخر الدين الرازي والعلامة الحلي إلى جواز خلوها عن الأعراض الا الكون وقيد المحقق الطوسي بالمذوقة والمرئية والمشمومة وخالفت الأشاعرة في ذلك وقالوا بامتناع خلوها عن شيء من الأعراض . 4 - ومن معتقداته ان ماهيته تعالى معلومة كوجوده . 5 - وأن ماهيته تعالى الوجود المعلوم . 6 - واعتقد ان اللذة العقلية عليه تعالى جائزة ، مع تفسيرها بإرادة
--> ( 1 ) يرتعي : يأكل . ( 2 ) الحمض : ما كان فيه ملوحة . ( 3 ) الخلة : خلاف الحمض . ( 4 ) خاندان نوبختي ، 168 - 170 . ( 5 ) فؤاد سزجين ، تاريخ التراث العربي ، - ( 3 ) 295 - 296 ، كارل بروكلمان ، تاريخ الأدب العربي ، 3 - 328 - 329 . ( 6 ) الذخيرة ، 114 ، قال السيد المرتضى : « قالوا : إن الحي الفعال هو الذات من الذوات ، ليست بجوهر متحيز ولا حال ولا عرض في هذه الجملة وإن كان يفعل فيها ويدبرها ويصرفها وهذا المذاهب محكي عن معمر واليه كان يذهب ابنا نوبخت » .