حسن الأمين
117
مستدركات أعيان الشيعة
على تطبيق هذه القوانين تطبيقا صحيحا ، ويمنع الوزراء وعمال الدولة من ارتكاب المظالم ، لأمكن القول بان الإمبراطورية الإيرانية ستكون حينئذ أفضل أقطار الأرض قاطبة ، ويبدو ان الوضع كان كذلك في عهد الشاه عباس الكبير . وقد كانت إيران في بداية عهده تعيش استبداد الحكام وطغيانهم بحيث لم يكن يعترف بحكمه على بعد عشرين فرسخا من عاصمته ، ومن ثم أمضى كل فترة حكمه في الحروب وإخماد الفتن ، ولكن إيران أضحت في أواخر عهده غنية وعامرة وهادئة ، ومحلا لنشاطات التجار من مختلف أقطار الأرض ، وأصبح الناس يعيشون حياة جيدة في جميع أنحاء إيران فهم يأكلون طعاما جيدا ويلبسون ملبسا حسنا ويتمتعون بجميع وسائل الحياة ، على الرغم من وجود ما يساوي نصف سكان فرنسا عاطلين عن العمل . وأفقر النساء الايرانيات كن يتزين بأنواع الحلي الذهبية ، وباعتقادي أننا نبتعد عن الإنصاف والحقيقة إذا قلنا أن الحكومة الإيرانية حكومة مستبدة وبعيدة عن الحضارة . . . « . وكان الشاه عباس يحرص دوما على صيانة أملاك رعاياه وأرواحهم من ظلم حكام وعمال دولته وزعماء الجيش واللصوص وقطاع الطرق . وقد نشط الشاه عباس منذ أوائل عهده في التصدي للصوص وقطاع الطرق وتأديب الحكام المستبدين ، فاستطاع في فترة قصيرة إقرار الأمن والطمأنينة في جميع أنحاء إيران فأصبحت إيران لا تضاهي في هذا الجانب . وقد كان الشاه يلقي بمسؤولية الحفاظ على الأمن والتصدي للصوص وقطاع الطرق في كل مدينة أو ولاية إيرانية على حاكم هذه المدينة أو الولاية ، فإذا ما سرق أحد سكان المدينة عوقب حاكمها وغرم ما سرقه اللصوص . وكذلك كان الأمر مع قطاع الطرق ، فإذا ما هاجم قطاع الطرق قافلة ما ، أخذت خسائر القافلة من القرى المجاورة لموضع الحادثة . وقد كان اللصوص وقطاع الطرق يعاقبون باقسى أنواع العقوبات ليكونوا عبرة للآخرين ومن هذه العقوبات ، الحرق وقطع الرأس وصب الجص عليه . وكان الشاه في أسفاره وحملاته ينهى قادة وأفراد قواته التطاول على أملاك ومزارع ومحصولات رعاياه ويحرص دائما على أن يكون أفراد جيشه رحماء في تعاملهم مع الناس ، ويتحدث أحد السائحين الأوروبيين عن هذا الأمر قائلا : « . . . يتميز جنود الشاه بحسن معاملتهم للناس ، ولذلك لم يكن الناس يهربون أمامهم أثناء الزحف خلافا لما هو قائم في أوروبا ، بل على العكس يرحبون بهم ويقدمون لهم أنواع الهدايا والمأكولات ويدعون لهم بالنصر ، لأنهم يعلمون أن جنود الشاه ليسوا ظالمين ولا سارقين وأنهم لا يتطاولون على أحد . وقد رأيت بأم عيني كيف كان الجنود يشترون الفاكهة وبعض الأشياء الأخرى من الناس دون أن يتطاولوا على أموال أحد أو يمسوا شخصا بأذى حتى في الصحاري والطرق الخالية . . . » يتحدث هذا السائح في موضع آخر من كتابه عن معاقبة الشاه لحكام أسترآباد الذي عسكر في احدى الحملات في أراض زراعية دون إذن من أهلها ، فيقول : « عسكر بعض أفراد الجيش في احدى المزارع دون أذن من أهلها وأطلقوا خيولهم فيها موفرين بذلك ثمن العلف ، ولجا أصحاب المزرعة إلى الشاه فقدموا اليه شكواهم ، فأمر الشاه عددا من قادة جيشه بالتحقيق في الأمر ثم سجن المقصرون ومزقت خيمهم وأخذ حاكم أسترآباد بجريرة اغتصاب فاكهة دون دفع ثمنها فثقب أنفه بسهم وطيف به في المعسكر على ظهر حصان والدم يقطر من أنفه . . . » . وقد بالغ الشاه في صيانته لأموال الناس ومنع التطاول على أملاكهم ، ويذكر فلكية الخاص الملا جلال الدين محمد اليزدي في حديثه عن حملات الشاه على خراسان في عام 1010 هأن الشاه لم يكن يسمح بمس شيء من أموال الناس وأملاكهم مهما كان هذا الشيء تافها والعجيب أن آقا محمد الأبهري وميرزا جان بيك جلسا ذات مرة تحت شجرة دون أن يستاذنا من صاحبها ، وكان هذان الرجلان يفتخران بقربهما من الشاه ، فأخذهما الشاه أخذا عنيفا وصلم آذانهما . وكان الشاه خلال أسفاره إلى مختلف أنحاء إيران ومدنها يختلط بالناس ويسألهم عن أسلوب الحكام في معاملتهم ، فإذا اشتكى أحدهم أمر بإجراء التحقيق على الفور ثم يعاقب المقصر ، ولم يكن أحد يجرؤ على منع الناس من طرح شكاواهم على الشاه وإلا تعرض لعقوبة صارمة ، فمثلا يذكر فلكي الشاه الخاص ضمن حديثه عن أحداث عام 1020 هقائلا : « . . . وفي يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الأولى نزل الشاه في بروجرد ، وأراد أحدهم طرح شكواه على الشاه فمنعه رجل كردي من ذلك وانتبه الشاه للأمر فأمر بقطع يد الكردي . . . » . وكان الشاه غاية في الشدة في معاقبته للحكام ورجال الدولة الجائرين ، ولم يكن يسمح لهم مطلقا باستغلال مناصبهم في الاعتداء على الناس أو الخروج على القانون ، ومن ذلك ما حدث لقائد المدفعية ، فقد كان هذا القائد سئ الظن بالناس إلى حد بعيد وحدث أن قتل بعضهم بحجة اختلاص النظر إلى دار حريمه ، واشتكاه أهالي المقتولين إلى الشاه فنصحه بان يستر نساءه في غرفهن أو يقيم جدارا حول سطح داره ، ولكنه لم يسمع النصيحة ووصل به الأمر ذات مرة أن قتل أحد أركان الدولة حينما كان جالسا على سطح داره ، وخرج أهل المقتول إلى الشاه واشتكوا اليه أمر قائد المدفعية ، وأخبروه بأنه قتل قبل ذلك عشرين شخصا من جيرانه لنفس السبب ، فاستشاط الشاه غضبا وأمر بعض الحاضرين في مجلسه قائلا : « اذهبوا إلى الكلب فاقتلوه واقتلوا معه جميع نسائه وأولاده ومرافقيه ولا تبقوا على أحد منهم ! » ونفذ أمر الشاه دون تردد ، فقتل قائد المدفعية وجميع ذويه ومرافقيه ودفنوا في حديقة المنزل ، وصادر ديوان الدولة المنزل وحين اشتكى بعض أهالي رستمدار ، احدى نواحي مازندران من ظلم حاكمهم أغورلو سلطان چيني وكان الشاه آنذاك في تبريز استدعاه إلى بلاطه في شهر شوال عام 1913 هليدافع عن نفسه ، فحضر ولم يستطع إثبات براءته فأمر الشاه بإخراجه إلى الشارع في يوم شديد البرودة وصب الماء عليه ثم جلده على