حسن الأمين

106

مستدركات أعيان الشيعة

الأميرة دسپينا خاتون التي كان التركمان يسمونها حليمة بگي آغا ويلقبونها بعالم شاه بيگم ثلاثة أولادهم السلطان علي وإسماعيل وإبراهيم وكان إسماعيل ( المولود عام 892 ه‍ ) الشخص الذي استطاع إيجاد أول حكومة وطنية قادرة على توحيد إيران الكبرى ، بعد مضي تسعة قرون من تسلط الأجانب مع وجود فواصل قصيرة وعابرة في هذا التسلط . وكان الشيخ حيدر في سعي دائم لتحقيق الأهداف التي عجز عنها أبوه الشيخ جنيد ، وكان يطمح قبل كل شيء إلى الانتقام من ملك شيروان ثارا لأبيه . من هنا جعل جل همه تسليح اتباعه ، حتى أنه حول البقعة كلها وحتى الحجر السكنية إلى مستودعات للأسلحة ، بحيث ورد في تاريخ ( عالم آراى اميني ) انه كانت السيوف في ذلك الوقت أكثر من أقلام القصب . وكان حيدر صانعا ماهرا للأسلحة ، إذ يقول صاحب تاريخ ( عالم آراى اميني ) : « سمعت انه صنع بنفسه آلاف الرماح ، والدروع والسيوف دون ان يستعين في ذلك بأحد » . ولم يكن يوقف تصنيع الأسلحة الا للتمرين على الرماية واستخدام السيف والقوس ، أو حين يقوم بتعليم اتباعه . وكان حينئذ يرتدي ملابسه الدينية العادية التي هي عبارة عن عباءة الدراويش والقلنسوة الصوفية . ومن خلال الاخبار التي وردت بشأن الشيخ حيدر ووصفت شجاعته وحنكته وحسن تدبيره واحاطته بفنون الحرب يمكن الاستنتاج بأنه كان أقدر من أبيه على تسليح اتباعه وخلق جيش محارب منهم وبالتالي الوصول إلى أهدافه التي كانت عبارة عن تحصيل الجاه والنفوذ السياسي . وبابتداعه اللباس الموحد لاتباع طريقته أثبت انه على مستوى كبير من القدرة على خلق التنظيمات . وقد أخذ اتباع الطريقة الصفوية يضعون على رؤوسهم تاجا صفويا يسمونه تاج حيدر منذ عهد حيدر ، وهو يشبه المخروط الناقص ، ويحتوي على اثني عشر خرقا . بسعة الإصبع لكل خرق ، ولون التاج احمر ، وذلك إشارة إلى آل علي والأئمة الاثني عشر ( ع ) ، وقد نقشت أسماءهم على الخروق . وقد نشات تسمية القزلباش من اللون الأحمر لهذه التيجان ، إذ أطلق العثمانيون هذه التسمية بادئ الأمر استهزاء ثم ما لبثت ان شاع استعمالها . و [ الغزلباش ] القزلباش تعني الرأس الأحمر إذ تعني القزل في التركية اللون الأحمر وتعني لفظة ( باش ) الرأس . وقد أدى انتشار ( تاج حيدر ) إلى تلاحم صفوف مريدي الصفويين ذلك لأنه لم يقدم على تبديل القلنسوة التركمانية بتاج حيدر الا من ترسخت العقيدة الصفوية في نفسه . وقد اقترنت هذه التيجان بالتأريخ الصفوي اقترانا واضحا . وازداد رواجها بعد وفاة حيدر عام 894 ه‍ ، ثم تأكد استعمالها وزاد انتشارها أكثر في زمن الشاه إسماعيل ، حتى بلغ الأمر بتجار البندقية ان كانوا يقدمون في بداية القرن العاشر الهجري ( القرن السادس عشر الميلادي ) في قوافل محملة بالأقمشة الحمراء سالكين طريق حلب ، لبيعها إلى الشاه إسماعيل . ولكن استعمال هذه التيجان أخذ ينحصر بالتدريج في زمن الشاه طهماسب حتى اقتصر في القرن الحادي عشر على الصوفيين الذين يكنون للعائلة الصفوية إخلاصا خاصا . وقد تمتع القزلباش ذوو الأصل التركي بنفوذ واسع في عهد قوة الملوك الإيرانيين خلال القرن العاشر الهجري وذلك باعتبارهم أشراف الجيش ومؤسسيه . حتى حد الشاه عباس الأول في القرن الحادي عشر الهجري من نفوذهم بخلق التوازن في البلاد من خلال إطلاقه يد الإيرانيين الحقيقيين ( الطاجيك ) والغلمان الگرجيين ، مما كان له دور كبير في تحسين الأوضاع الإيرانية آنذاك . وكانت الثمرة الأولى لجهود حيدر التسليحية ، ونشاطه في حشد المحاربين ذوي اللباس الموحد في عام 888 هحين قام بعمليته العسكرية الأولى ضد الشركس وله من العمر 22 سنة . ( 1 ) وكانت قدوته في اعماله الحربية أبوه . ويمكن القول إن هدفه الأساس كان الحصول على الغنائم ليزيد من عدد اتباعه ويفرق بينهم الهدايا ، والا فإنه لم يكن يقصد فتح البلدان . وكان وصوله إلى داغستان يتطلب الحصول على أذن من حاكم تلك النواحي وهو ملك شيروان ، وقد اجازه الأخير رغما عنه ، إذ كان حيدر يحمل امرا من الشاه يعقوب في هذا الشأن وحين سمعت قبائل الشركس بتحرك حيدر نحوها ، بادر بعضها إلى الانسحاب ، وآثر بعضها الآخر الدفاع . فوقعت الحرب وانتهت بانتصار حيدر انتصارا كاسحا . وقد دعاه هذا الانتصار إلى التفكير في الهجوم على ملك شيروان للثار لأبيه منه ، ولكن الصوفيين اعتذروا بحاجتهم إلى الاستراحة ، وكذلك بحاجة مثل هذه الحرب إلى استعداد أكثر . فوافقهم الشيخ حيدر على رأيهم وعاد أردبيل فدخلها في خريف عام 888 هوخلال عودته من حملته العسكرية الأولى على شيروان ، استغل الشيخ حيدر الفرصة فأقر ذرية الشيخ زاهد الگيلاني الذي كان أستاذا لجده صفي الدين الأردبيلي على الأراضي التي ورثوها . وقد كتب في ذلك سندا عام 888 ه‍ ، ويمكن الاستنتاج منه انه كان يصدر الأوامر إلى الشخصيات الحكومية وجباة الضرائب . ويستنتج منه أيضا انه كان في عام 888 هيحكم جنوب شيروان أو على الأقل يدعي ذلك . وقد بادر في أردبيل إلى تقسيم الغنائم بين الأهالي ، وكان من بينها الجواري الشركسيات ، وقد امر القزلباش بإنفاق جميع حصصهم من الغنائم في أعداد الأسلحة وآلات الحرب . كما بعث ببعض الغنائم إلى الشاه يعقوب بن اوزون حسن زعيم الاق قويونلو رعاية منه للمصلحة وحفظا للعلاقة الودية بينهما . وفي ربيع عام 892 هعاود الشيخ حيدر الكرة ، وسلك نفس الطريق في حملته ، وكانت النتيجة موفقة كما في المرة الأولى . وقد ساهم نجاحه هذا وكثرة عطاياه ( من قبيل تنازله عن حقوق الأرض في جميع القرى التابعة له ) في رفعة شانه وازدياد نفوذه ، فاخذ الاتباع يتقاطرون من كل حدب وصوب للانضواء تحت رايته . الا ان الحكم في تبريز أخذ ينظر إلى ازدياد قوة الحكومة الدينية في أردبيل بعين الشك والريبة . وفي اجتماع لرجال بلاط السلطان يعقوب طرحت هذه المسألة على بساط البحث ، فاستقر الرأي على استدعاء حيدر إلى تبريز فورا . فدخلها الشيخ حيدر في خرقة بالية وتاج قذر ، ومعه عدد قليل من

--> ( 1 ) ورد آنفا ان ولادته كانت عام 864 هفيكون عمره في عام 888 ه‍ 24 سنة وليس 22 سنة كما ورد في المتن .