حسن الأمين

98

مستدركات أعيان الشيعة

الجوهر من جهة أخرى ، وكذلك إذا كان في اللغة كلمات مختلفة النوع ، فلا بد أن تكون مسمياتها مختلفة أيضا ، فهنالك - مثلا - أسماء جزئية وأسماء كلية ، فلا بد أن يكون في العالم الخارجي ما يقابل هذه وتلك ، ففيه كائنات جزئية ، وفيه أيضا كائنات كلية ، وهذا هو بعينه ما دعا أفلاطون إلى افتراض وجود عالم بأسره لهذه الكائنات الكلية - أسماه بعالم الأفكار أو بعالم المثل - إلى جانب عالمنا هذا المادي الذي كل ما فيه أفراد جزئية . . . هكذا تستطيع أن تمضي في مفردات اللغة وفي طرائق تركيبها ، فتستدل من كل مفرد لغوي ومن كل تركيب ما ذا ينبغي أن يكون مقابلا له في عالم الأشياء ، وفريق الفلاسفة الذين يرتكزون على طبيعة اللغة ليفهموا طبيعة العالم هم : أفلاطون ، واسبينوزا وليبنتز ، وهيجل ، وبرادلي ( 1 ) وسنرى أن عالمنا الفيلسوف جابر بن حيان هو من هذه الزمرة . 2 - وفريق ثان من الفلاسفة يذهب إلى أن الإنسان محال عليه أن يجاوز بعلمه حدود كلمات اللغة إلى حيث العالم الخارجي في ذاته ، وإن شئت أن تفهم وجهة نظر هذا الفريق فحاول أن تنقل إلى من شئت أمرا تريد أن تحيطه به علما ، كان تقول له - مثلا - « إن الورقة بيضاء » تجد أنك تشرح له كلمة بأخرى ، وهذه بثالثة فرابعة وهلم جرا ، أي أنك ستظل مع زميلك حبيس الكلمات التي تتفاهمان بها ، ولا وسيلة أمامكما تخرجان بها من سجن الكلمات إلى حيث « البياض » الخارجي الذي يصف الورقة ، فما بالك إذا أردت لزميلك أن يعرف - مثلا - أنك خائف أو حزين أو نشوان أو عاشق ولهان ؟ مجاوزة اللغة هنا إلى الحقيقة المرموز إليها باللغة أمر محال ، وخلاصة الرأي عند هذا الفريق الثاني من الفلاسفة هي أن أي معرفة وكل معرفة - حتى المعرفة العلمية - إنما هي معرفة كلمات لغوية لا أكثر ولا أقل ، ومن هذا الفريق أولئك الذين يسمون بالاسميين في تاريخ الفلسفة ، مثل وليم أوكام في العصور الوسطى ( 1290 - 1349 تقريبا ) ومثل باركلي في العصور الحديثة ( 1685 - 1753 ) ومثل طائفة من جماعة الوضعيين المنطقيين في الفلسفة المعاصرة . 3 - وفريق ثالث من الفلاسفة يذهب إلى أن الإنسان في وسعه أن يدرك حقيقة ما غير كلمات اللغة التي يتكلمها ، ويعتقد هذا الفريق أن مثل هذه الحقيقة يستحيل على اللغة أن تعبر عنها ، ومع ذلك ترى مدركيها يكتبون عنها و [ بتكلمون ] يتكلمون على الرغم من اعترافهم بان الكتابة والكلام لا يجديان في نقلها إلى القارئ أو إلى السامع ، اللهم إلا على سبيل الإيحاء ، وهؤلاء هم المتصوفة والفلاسفة الذين يأخذون بالإدراك الحدسي مثل برجسون . ولسنا في هذا المقام بصدد تحليل هذه الآراء الثلاثة في اللغة ، ودلالتها أو عدم دلالتها على حقيقة الواقع الخارجي الذي هو من طبيعة غير طبيعة اللغة ، ولكن الذي يعنينا هنا هو أن نضع جابرا في موضعه من مذاهب الفلسفة اللغوية ، فهو من القائلين بان طبيعة اللغة باحرفها ، كلماتها وجملها تشف عن طبائع الأشياء ، فدراسة الاسم هي في الوقت نفسه دراسة للمسمى ، كما سنرى تفصيلا فيما بعد . يقول ابن حيان : « إن تركيب الكلام يلزم أن يكون مساويا لكل ما في العالم من نبات وحيوان وحجر » ( 2 ) ، ولو حللنا هذه العبارة تحليلا وافيا ، لكشفت لنا وحدها عن وجهة نظر منطقية تحدد موقف ابن حيان إزاء اللغة وعلاقتها بعالم الأشياء : وهو موقف جد شبيه بفرع من فروع المنطق الحديث الذي يأخذ به فنجنشتين ( 3 ) وبرتراند رسل وغيرهما من فلاسفة التحليل في عصرنا الحاضر ، ومؤداه أن كلمات اللغة هي ضرب من التصوير ، بل أنها قد كانت تصويرا فعليا في بعض الكتابات القديمة ، ولئن اخترعت أحرف الهجاء تيسيرا لتركيب الصور التي تصور بها الأشياء ، لسهولة حلها وجمعها في صور لا نهاية لعددها ، فان ذلك لم يسلب من الكتابة قوتها التصويرية ، فلا فرق من حيث الجوهر بين أن ترسم شجرة وترسم طائرا على أحد فروعها ، وبين أن تكتب هذه العبارة : « الطائر على الشجرة » ، فهذه العبارة - لو أمعنت فيها النظر - هي « صورة » - فكلمة « الشجرة » تنوب عن صورة الشجرة ، وكلمة « الطائر » تنوب عن صورة الطائر ، وكلمة « على » تنوب عن العلاقة التي تصل الطائر بالشجرة لو صورناها بصورة تعكس الواقع عكس المرآة ، وما دامت الكتابة في حقيقتها « تصويرا » للواقع ، وجب أن نحاسب المتكلم أو الكاتب على هذا الأساس ، فنطالبه - منطقيا - بان يرسم بكلامه صورا للواقع ، والكلام الذي لا يرسم مثل هذه الصور لا يكون ذا معنى ولا يقوم بمهمة الكلام التي خلق الكلام أساسا من أجلها ، ولو كانت لنا اللغة المنطقية الكاملة لوجدنا تراكيبها - كما ورد في عبارة ابن حيان السالف ذكرها - « مساوية لكل ما في العالم من نبات وحيوان وحجر » . محاورة أقراطيلوس : كان من أهم الأسس التي اعتمد عليها جابر بن حيان في فهمه للطبيعة ، أساس اللغة وتحليلها ، فعن طريق معرفتنا بالحروف والكلمات وما لها من طبائع وخصائص ، نعرف طبائع الأشياء وخصائصها ، ولم تكن هذه الفكرة وليدة جابر ، بل إن لها لجذورا قديمة تضرب في أعماق الماضي حتى تصل إلى عصور السحر والكهانة ، حيث لم تكن الكلمات والحروف رموزا اصطلح عليها اتفاقا ، بل كان بها مشاركة في طبيعة الأشياء التي يرمز إليها بها ، وعن طريق الاسم تستطيع أن تفعل بالمسمى ما شئت مستعينا بوسائل معينة . فلئن كنا اليوم قد فرغنا تماما من مشكلة اللغة : أهي مجرد رموز متفق عليها اصطلاحا ، أم هي ذات طبيعة تشارك بها طبيعة الأشياء ، فلم يكن الأمر كذلك فيما مضى ، بل كان للموضوع وجهتان من النظر ، سجلهما أفلاطون في محاورة « أقراطيلوس » بصفة خاصة ، كما تعرض لهما في محاورات أخرى ، مثل ثيتاتوس وطيماوس ، وعلى الرغم من أن جابر بن حيان قد نسق الموضوع تنسيقا فريدا خاصا به ، من وجهة النظر التي أخذ بها في أمر اللغة ودلالتها على الأشياء ، إلا أننا لا نشك في أن التراث الفلسفي اليوناني قد كان معروفا يؤثر في الفكر الإسلامي بطريق مباشر حينا وغير مباشر حينا آخر .

--> ( 1 ) Russell , B . OnInquiryintoMea ص 341 . ( 2 ) كتاب الميزان ، مختارات كراوس ، ص 449 . ( 3 ) Wittgemstein , L . TractatusLogico . Philosophicus .