حسن الأمين
85
مستدركات أعيان الشيعة
وهاك عبارة وردت في كتابه « الرحمة » ( 1 ) يصف بها تجربة أجراها ، وهي تدل على دقة ملاحظته ، قال ما معناه : كان لدي حجر ممغطس يرفع قطعة من الحديد وزنها مائة درهم ، وحفظته عندي زمنا طويلا ، ثم جربته على قطعة أخرى من الحديد ، فلم يرفعها ، فظننت أن هذه القطعة الثانية من الحديد قد تكون أكبر وزنا من القطعة الأولى ، فوزنتها ووجدتها أقل من ثمانين درهما ، ومن هنا استنتجت أن قوة الحجر الممغطس قد نقصت ، على الرغم من ثبات وزنه . ويطلق جابر اسم « التدريب » على ما نسميه نحن اليوم « تجربة » ، وهو يجعل إجراء التدريبات ( - التجارب ) العلمية شرطا أساسيا للعالم الحق : « فمن كان دربا كان عالما حقا ، ومن لم يكن دربا لم يكن عالما ، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع أن الصانع الدرب يحذق ، وغير الدرب يعطل » ( 2 ) . على أن جابرا قد يذكر حقيقة ما على أنها مستندة إلى تجربة أجريت ، على حين أن الخطا فيها واضح ، كان يقول مثلا : « إن من أخذ ثورا - وإن كان أحمر اللون فهو أجود - ثم أدخله بيتا فطرح له من ورق الحاشاشيا ثم سد عليه الباب الذي دخل منه ، وفتحت له في أعلاه أربع كوى كما يدور البيت ، فترك الثور حتى يموت ويعفن ، تولد عنه زنبور النحل ( 3 ) والخطا العلمي هنا واضح ، فحتى لو أعفيناه من خطا القول إن حشرة ما تتولد من غير طريق نسلها الصحيح ، على اعتبار أن هذه الحقيقة العلمية - حقيقة كون الكائن الحي يستحيل أن يتولد إلا عن كائن حي ، ولا يتولد قط من غير الحي - أقول إننا لو أعفيناه من هذا الخطا على اعتبار أن هذه الحقيقة العلمية ربما تكون قد كشفت في عصر لاحق لعصره ، فكيف نعفيه من الخطا المنهجي في تفصيله للثور الأحمر في أداء هذه التجربة ؟ . الاستنباط والاستقراء : لكننا من قراءة نصوصه استطعنا أن نتلمس مذهبه في خطوات السير في طريق البحث العلمي ، وهي خطوات تطابق ما يتفق عليه معظم المشتغلين بالمنهج العلمي اليوم ، وهي تتلخص في ثلاث خطوات رئيسية : الأولى - أن يستوحي العالم مشاهداته فرضا يفرضه ليفسر الظاهرة المراد تفسيرها ، والثانية - أن يستنبط من هذا الفرض نتائج تترتب عليه من الوجهة النظرية الصرف ، والثالثة - أن يعود بهذه النتائج إلى الطبيعة ليرى هل تصدق أو لا تصدق على مشاهداته الجديدة ، فان صدقت تحول الفرض إلى قانون علمي يركن إلى صوابه في التنبؤ بما عساه أن يحدث في الطبيعة لو أن ظروفا بعينها توافرت . فطريق السير إذن هو هذا : مشاهدات توحي بفروض ، ثم استنباط للنتائج التي يمكن توليدها من تلك الفروض ، ثم مراجعة هذه النتائج على الواقع ، وعندئذ فاما أن نقبل الفروض التي فرضناها أو نرفضها تبعا لصدق نتائجها على الواقع ، ولقد اصطلح رجال المنطق على أن يطلقوا كلمة « الاستقراء » على مرحلتي المشاهدة الأولى والتطبيق الأخير ، لأن في كليهما لمسا للوقائع العينية واستقراء لها ، كما اصطلحوا على أن يطلقوا على مرحلة استنباط النتائج التي يمكن توليدها من الفروض ، اسم « الاستنباط » ، وهو عملية تتم في الذهن ، وهنالك من العلوم ما هو استنباطي صرف كالرياضة ، ومنها ما هو استنباطي استقرائي معا كالعلوم الطبيعية . أما التفكير الاستنباطي الذي هو رياضي في طبيعته ، فيعتمد على مفاهيم ذهنية يتسق بعضها مع بعض ، بغض النظر عن مطابقتها أو عدم مطابقتها لواقع قائم في العالم الخارجي ، وهو ضرب من التفكير لا مندوحة عنه في كل بحث علمي حتى لا يتقيد الباحث بحدود ما يقع له في خبرته الحسية المباشرة ، إذ ترى الباحث في تفكيره الاستنباطي العقلي الخالص ، يدير في ذهنه الأمر من كافة وجوهه ، فيربط فكرة بفكرة ويستخرج فكرة من فكرة وهكذا ، حتى إذا ما اهتدى بفضل هذه العمليات العقلية الداخلية إلى نتيجة يراها نافعة لو طبقت ، فعندئذ يخرج إلى العالم الطبيعي الخارجي ليختبر صدق هذه النتيجة اختبارا يعتمد على الواقع المحسوس ، فإذا تبين صدقها أصبحت قانونا علميا أو نظرية علمية تستخدم في الجانب التطبيقي من حياة الإنسان العملية . وكان التفكير الاستنباطي الصرف هو المنهج الوحيد الذي يعتد به في العصور القديمة والوسيطة ، لأن التفكير عندئذ كان كله قائما على أسس يفرضها العقل لنفسه فرضا ، أو على أسس يوحي بها إلى الإنسان إيحاء ، وما عليه في كلتا الحالتين سوى أن يستنبط النتائج من تلك الفروض المسلم بصدقها ، حتى جاءت النهضة الأوروبية وجاء معها العلم الطبيعي فعندئذ أحس رجال المنهج الفكري بضرورة إضافة منطق جديد يضاف إلى المنطق الأرسطي الاستنباطي الذي كان قد رسم ليسد حاجة التفكير في عصره والعصر الذي تلاه ، أحس رجال المنهج الفكري أبان النهضة الأوروبية ( القرن 16 - 17 ) بالحاجة الملحة إلى منهج استقرائي جديد يصلح لمعالجة الظواهر الطبيعية على أساس المشاهدة وإجراء التجارب . ثم اندمج المنهجان آخر الأمر في منهج واحد وجد أن لا مناص من اصطناعه في كل بحث علمي منتج ، فلا بد من ملاحظة خارجية أولا ، لنستوحيها فروضا نفرضها ، ثم لا بد في الوقت نفسه من طريق الاستنباط ننهجه داخل عقولنا لنولد من تلك الفروض التي فرضناها نتائج ننتفع بها في دنيا العمل والتطبيق . أفليس من حق عالمنا العربي جابر بن حيان علينا ، أن نسجل له بالفخر والاعجاب منهجا فكريا رسمه لنفسه في القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الميلادي ، وهو منهج لو كتب بلغة عصرنا ولو فصل القول فيه قليلا ، لجاء وكأنه من نتاج العصر الحديث ، ذلك لأنه منهج اعتمد على الاستنباط والاستقراء معا ، اعتمادا واعيا صريحا ، فاقرأ - مثلا - هذه الجملة الواحدة تجيء عرضا في حديثه ليصف بها منهجه : « . . . قد عملته بيدي وبعقلي من
--> ( 1 ) مأخوذة عن هولميارد في كتابه « الكيمياء حتى عهد [ دولتن ] دولتين » ص 17 - 18 . ( 2 ) من كتاب السبعين ، مختارات كراوس ، ص 464 . ( 3 ) من كتاب التجميع ، مختارات كراوس ، ص 368 .