حسن الأمين

82

مستدركات أعيان الشيعة

مصدر العلم : أنى للإنسان أن يعلم العلم الذي يعلمه ؟ هذا سؤال ما أنفك الفلاسفة يسألونه ويحاولون عنه الجواب : أفيكون في فطرة الإنسان وطبعه المجبول أن يهتدي إلى العلم من تلقاء نفسه لو واتته الظروف المناسبة ؟ ذلك ما أخذ به سقراط الذي كان على اعتقاد بان العلم كامن في الإنسان ، ولا يحتاج إلا إلى من يحركه بالأسئلة الموجهة ، فيخرج العلم من حالة الإضمار إلى حالة الظهور ، أو من حالة الكمون إلى حالة العلن ، أو - بالمصطلح الفلسفي - من حالة الوجود بالقوة إلى حالة الوجود بالفعل ، ولو كان الأمر كذلك لكان التعلم ضربا من ضروب الكشف عما هو خبئ في النفس ، وليس هو باكتساب شيء يأتي إلى نفس المتعلم من خارجها ، ولكانت عملية التعليم لا تزيد على عملية التوليد ، ويعبر جابر عن هذا الرأي بقوله أن المتعلم عندئذ : « يكون مبتدعا للأشياء من نفسه في أول الأمر بطباعه » ( 1 ) لكنه لا يجعل هذه الصفة عامة في كل إنسان على حد سواء ، بل يقصرها على من يصفهم « بالاعتدال » - والاعتدال عنده معناه توازن العناصر التي منها يتكون الشخص المعين - « فالشخص المعتدل هو الذي يستخرج الأشياء بطبعه ، ويقع له العلم بالبديهة في أول وهلة » ويستطرد جابر فيقول نقلا عن فورفوريوس ( 2 ) « إن من كان هذا سبيله ( هو ) سقراط الحكيم ، فإنهم لا يشكون أن كثيرا من العلم وقع له بقليل الرياضة ، وأن ذلك بالطباع » ( 3 ) أي أن رياضة قليلة ، أو قل فاعلية وجهدا قليلين كانا يكفيان لتحريك علم كثير في نفسه ، لأن العلم كامن هناك بالفطرة ، ينتظر ما يحركه فيتحرك . العلم بالفطرة - إذن - أحد المذاهب المختلفة في تفسير التعلم ، ومذهب آخر يقول أن العلم إنما يكون بالتلقين ، فما في فطرة الإنسان علم لا بالقوة ولا بالفعل ، فهي - على حد العبارة التي قالها الفيلسوف الإنجليزي « [ چونلك ] جان لاك » ( 1632 - 1704 ) - تولد صفحة بيضاء ، ثم تأتي العوامل الخارجية عن طريق الحواس فتخط عليها آثارها ومن هذه الآثار المخطوطة يتكون علم الإنسان ، ومن بين هذه العوامل الخارجية - بل من أهمها - هو المعلم - والوالدان هما بمثابة المعلمين ، فهؤلاء يلقنون الناشئ بما يكون له نفسه على الصورة التي يريدونها له ، وفي ذلك يقول جابر : « . . . ( إن من يوكل إليه أمر تكوين الإنسان ) يدرس عليه جميع العلوم وضروب الآداب وعلوم العلويات ، أو غير ذلك مما يراد من ذلك المكون أن يكون ماهرا فيه » ( 4 ) . يذكر جابر هذين المذهبين في مصدر العلم ، المذهب القائل بان العلم لدني ينبع من الفطرة ، والمذهب القائل إن العلم آت كله من الخارج بالتحصيل والتلقين ، ثم يضيف إليهما مذهبا ثالثا يقع بين بين ، وذلك أن يكون في نفس المتعلم استعداد للتلقي ، ثم تجيء العوامل الخارجية فتستخدم ذلك الاستعداد الفطري ، فالفطرة ليست « علما » ولكنها « تهيؤ » لقبول العلم ، وإذن فلا بد في الأمر من داخل وخارج معا ، وهذا هو بعينه ما يقوله القائلون بضرورة الوراثة والبيئة معا في عملية التربية ، إلا أن جابرا يستخدم لغة أخرى غير هذه اللغة ، فيعبر عن الحقيقة نفسها بقوله : « إن ( العلم ) لا يكون بالبديهة ، ولا بالتعليم من الصغر ، بل يكون على البديهة » ( 5 ) - فهو يقول عن العلم إنه « على البديهة » في الحالة التي يكون فيها موروثا بالطبع ، ثم يقول عنه إنه « على البديهة » حين لا يكون الموروث بالطبع إلا استعدادا فقط ، وعلى هذا الاستعداد تأتي المؤثرات من خارج ، وإن جابرا ليختار من هذه المذاهب الثلاثة مذهبا ، وهو هذا الذي يجمع بين الاستعداد والتلقين ، مؤكدا أن : « النفس لا تكون عالمة أولا بالضرورة » ( 6 ) أي أنها محال عليها أن تولد مزودة بالعلم كاملا ، لكنها مستعدة للتقبل بطبيعتها ، فهي : « قادرة فاعلة جاهلة » ( 7 ) أول الأمر ، ثم تراض بعد ذلك بفضل قدرتها وفاعليتها ، فيتحول الجهل علما . لكن ما مصدر التلقين عند جابر ؟ من ذا الذي كشف له عن الحقائق فتلقفها وتمثلها بفطرته القابلة القادرة ؟ هاهنا نجده يصرح في أكثر من موضع بان مصدر علمه هو النبي وهو علي وهو سيده جعفر الصادق وما بين هؤلاء جميعا من أبناء الأسرة الشريفة ، فهو يقول : « تأخذ ( من كتبي ) علم النبي وعلي وسيدي وما بينهم من الأولاد ، منقولا نقلا مما كان وهو كائن وما يكون من بعد إلى أن تقوم الساعة » ( 8 ) وفي موضع آخر يقول : « فوالله ما لي في هذه الكتب إلا تاليفها ، والباقي علم النبي ( ص ) » ( 9 ) . فما مؤدى هذا ؟ مؤداه أن مصدر التلقين هو الوحي ، ينزل على النبي ثم يتوارثه الخلفاء من بعده ، وعن هؤلاء يكسب الكاسبون . فليس العلم عقلا ولكنه نقل ، ليس هو بالكشف المبتكر الأصيل بالنسبة إلى العالم الكاشف ، بل هو تنزيل من السماء ، وعلى هذا الضوء نفهم اسم « الكيمياء » لما ذا أطلق على مثل هذه الأبحاث التي قام بها جابر ، فهي لفظة معربة من اللفظ العبراني ، وأصله كيم يه ، ومعناه أنه من الله ( 10 ) . الأستاذ والتلميذ : لهذا كان للأستاذ الذي ينقل العلم للمتعلم منزلة مقدسة عند جابر ، وانا لننقل هنا مقالة كتبها في العلاقة بين الأستاذ والتلميذ ( 11 ) ، ونعتقد أنها من الروائع في ميدان التربية ، ولن ندخل على لفظها من التعديل إلا بمقدار ما يجعلها مناسبة لسمع القارئ الحديث ، قال : فاما ما يجب للأستاذ على التلميذ ، فهو أن يكون التلميذ لينا قبولا لجميع أقواله ، من جميع جوانبه ، لا يعترض عليه في أمر من الأمور . . . فان

--> ( 1 ) جابر بن حيان ، كتاب التجميع ( مختارات كراوس ) ص 7 - 376 . ( 2 ) فيلسوف اسكندراني من مدرسة الأفلاطونية الحديثة ، عرف بشرحه للمنطق الأرسطي ( 233 - 304 ) . ( 3 ) كتاب التجميع في المختارات المذكورة ، ص 375 . ( 4 ) التجميع ( مختارات كراوس ) ص 375 . ( 5 ) نفس المصدر ، ص 377 . ( 6 ) المصدر السابق نفسه ، ص 377 . ( 7 ) المصدر السابق نفسه ، ص 378 . ( 8 ) المقالة الحادية والعشرون من « كتاب الخواص الكبير » - مختارات كراوس ، ص 315 . ( 9 ) المقالة الرابعة والعشرون من « كتاب الخواص الكبير » ، ص 317 . ( 10 ) جابر بن حيان ، كتاب التجميع ( مختارات كراوس ) ص 7 - 376 . ( 11 ) المقالة الأولى من « كتاب البحث » - مختارات كراوس ، ص 501 - 505 .