حسن الأمين

62

مستدركات أعيان الشيعة

وأدرك أن سكوته سينهي الأمل في تحقيق الحلم العثماني في التوسع لا سيما بعد أن تكشف للعيان اتحاد مصر وإيران بعد اعتزال السلطان بايزيد للعرش في عام 918 ه‍ . بحيث ورد ذكر هذا الأمر صراحة في رسالة حاكم بعض مناطق كردستان الخواجة رستم إلى السلطان بايزيد . وكان اتحاد مصر وإيران أمرا مفاجئا بالنسبة للعثمانيين إذ لم يكونوا يتوقعون مثل هذا الاتحاد بعد اندلاع الحرب بين الشاه إسماعيل وعلاء الدولة ذو القدر التي تسببت في تعكير العلاقات بين مصر وإيران بل وصل الأمر إلى دعوة سلطان مصر الدولة العثمانية للاتحاد معه في سبيل القضاء على حكم الشاه إسماعيل ، فقد ورد في رسالة رسمية بعث بها سلطان مصر إلى السلطان العثماني ما يلي : « . . . وأما مسألة القضاء على فرق القزلباش الضالة في بلاد الشرق فهي في حكم البلاء العام ولذلك فان جهادهم واجب على القريب والبعيد ، ونحن عازمون على النهوض لجهادهم وقطع أيديهم عن رقاب الناس ولكنا نحتاج في ذلك إلى تأييد ودعم الآخرين وفي الحقيقة فان التعاون في ذلك فرض على المسلمين لأن القزلباش أهل بدعة وضلال وهم أناس أشقياء وأشرار وجميعهم من الروافض الملعونين ، وليس في قلوبهم أثر من الرحمة والشفقة فهم يقتلون العلماء والسادة ويهتكون أعراض الناس ونواميسهم وتصدر عنهم أمور لم تصدر من قبل عن جنكيز وتيمور . . . » . كتب هذه الرسالة السلطان المصري قانصو الغوري إلى السلطان العثماني في وقت كان قلقا فيه من عمليات الشاه إسماعيل في ديار بكر ويخشى من القضاء على علاء الدولة ذو القدر ثم يباشر الاعتداء على المناطق الخاضعة للسلطة المصرية ، ولذلك كان السلطان العثماني يدرك جيدا سبب حرص سلطان مصر على الإسلام واستغاثته بالآخرين في سبيل الحفاظ على بيضة الإسلام ومن ثم كان جوابه على الرسالة يتصف بكثير من اللاابالية حيث يقول في رده على الرسالة ( إن الدولة العثمانية لا تملك إلا الدعاء ) . وفي الحقيقة فان الدولة العثمانية كانت ترغب كثيرا في استمرار الخلاف بين الدولتين الإيرانية والمصرية وتفضل الوقوف على الحياد إزاء مثل هذا الخلاف ولذلك كانت رسائل السلطان العثماني وأجوبته على رسائل السلطان المصري تخلو من الألفاظ القاسية بحق الإيرانيين بل ومن تأييد دعاوى تكفيرهم ورميهم بالإلحاد ، لئلا يظهر دليل على عداء العثمانيين لإيران . ومن الطبيعي أن مصر عندما يئست من تجاوب العثمانيين معها رأت أن تبادر إلى الاتحاد مع ملك إيران القوي قبل أن يتمكن العثمانيون من ذلك ، وقد كان هذا الاتحاد في غاية الضرورة بالنسبة لمصر حيث كان علاء الدولة ذو القدر هو من أقوى حلفاء مصر قد تعرض لضربات قوية من قبل القزلباش وربما كانت حملة أخرى كفيلة بالقضاء عليه مما يعني ضربة قاصمة لنفوذ مصر في المنطقة ولذلك كانت الوفود المصرية تحاول التوصل مع إيران إلى اتفاق يضمن بقاء ديار بكر على حالها . وكان الاتفاق يقضي باحتفاظ القزلباش بالمناطق التي انتزعوها في ديار بكر من علاء الدولة ذو القدر واحتفاظ الأخير بالمناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرته مع امتناع القزلباش عن الاعتداء عليها ، ومع التوصل إلى هذا الاتفاق أخذت العلاقات الثنائية تتحسن بين علاء الدولة وإيران وأخذ علاء الدولة يتوسل السبل التي تقربه من الشاه إسماعيل ، فمثلا حينما سير السلطان سليم جيوشه للاعتداء على إيران كان فرسان علاء الدولة ينقضون من الخلف على المعسكرات العثمانية في الوقت الذي لم يطلب الشاه إسماعيل العون من علاء الدولة . وعلى أي حال اعتزل السلطان بايزيد العرش في عام 918 وباشر السلطان سليم في عام 919 بتصفية إخوته وأولادهم فلما فرغ من أمرهم أمر بتجهيز الجيوش للهجوم على إيران . أصدر في البداية أمرا بمنع دخول البضائع من الحدود العثمانية الشرقية واعتقال جميع التجار الشرقيين ومصادرة أموالهم ثم أصدر أمرا آخر يرغم بموجبة التجار العثمانيين أنفسهم على دفع ما بحوزتهم من بضائع مستوردة من الشرق إلى حكام ولاياتهم وفي حال المخالفة تصادر أموالهم ويعاملون معاملة جواسيس حرب . وبعث السلطان سليم بسفرائه إلى أوروبا لانهاء الخلاف مع إمبراطورية هنغاريا والمجر ليتفرغ لأمر إيران ، ثم بدأ بتحريض جميع الحكام والملوك المجاورين لإيران بل تعدى ذلك إلى تحريض بعض زعماء إيران ذاتها . ومن أبرز الملوك الذين شملهم التحريض عبيد الله خان في سمرقند فكان رده إيجابيا وبعث رسوله إلى السلطان سليم ليطلب منه إرسال المدفعية والأسلحة النارية الأخرى وعدد من محاربي ( اليني جري ) لمساعدته فاستجاب السلطان لهذا الطلب وأرسل ثلاثمائة مقاتل ( يني جري ) بالإضافة إلى عدد من المدافع والبنادق ، فوصلت بخارى في أوائل عام 921 ( 1 ) . وفي الثالث والعشرين من محرم عام 920 خرج السلطان سليم على رأس قواته من مدينة أدرنة ثم عسكر بالقرب من إسطنبول في يوم الأربعاء التاسع والعشرين من صفر وبعد ذلك توجه إلى الأناضول . وفي الثاني من جمادى الأولى وصل مدينة ( ينكي شهر ) فبعث من هناك أحمد باشا ومجموعة من قادة الجيش على رأس عشرين ألف مقاتل إلى سيواس . وبالقرب من مدينة قونية قدم أهالي لارنده إلى موكب السلطان محملين بالهدايا ومصطحبين معهم ثلاثة من القزلباش فاستجوب هؤلاء الثلاثة تحت التعذيب ثم قتلوا .

--> ( 1 ) التقارير التالية مترجمة عن صحيفة البلاط العثماني الرسمية .