حسن الأمين
58
مستدركات أعيان الشيعة
الثاني منصب ( أيشيك آغاسي ) أي رئيس التشريفات ولاقى محمد جان في بلاط الملك بابر معاملة مغايرة لما كان يتوقعه ، فلما عاد من سمرقند إلى قم قدم تقريره بالواقع وكان الأمير نجم الثاني معتمدا على رسوله وواثقا منه فايد كلامه في حضور الشاه وتعهد بالسفر شخصيا إلى ما وراء جيحون وتسوية الأمور بما ينفع إيران . وافق الشاه على الاقتراح وأمر عددا من أمراء الدولة وأركانها مثل زين العابدين بيك وبادمجان بيك والخواجة كمال الدين محمود ساغري بمرافقة الوزير الأعظم في سفره . وشد الأمير نجم الرحال إلى خراسان فلما وصل مشارف جيحون بلغه أن سلاطين الأوزبك جمعوا شتاتهم بعد عودة القزلباش من سمرقند وتوجهوا من تركستان إلى سمرقند بجيش جرار فهزموا فيها الملك محمد بابر ، فحمل أهله وذويه إلى قلعة شادمان وتحصن فيها ، وانصرف الأوزبك إلى إحكام سيطرتهم على الولايات التي استولوا عليها ثم توجهوا إلى قلعة شادمان لمحاصرتها وكان الملك بابر قد أحكم تحصينها بمساعدة ابن عمه خان ميرزا فحفر خندقا حولها وأقام المتاريس في أزقتها الداخلية ، ثم بعث وراء حاكم بلخ بيرام بيك فرماني يستمده العون . وبادر بيرام بيك فرماني من فوره إلى إرسال ثلاثمائة محارب من أبطال القزلباش تحت قيادة الأمير السلطان محمد الشيرازي ، وكانت قوات الأوزبك قد بلغت ولاية خيابان حين بلغها وصول مدد من القزلباش فكفت عن الزحف ثم عادت أدراجها إلى سمرقند وبخارى . وكان الأمير نجم خلال ذلك قد دخل خراسان فأقام فيها بضعة أيام واستقبل ساداتها وقضاتها وأشرافها وأعيانها الذين كان يتوافدون على معسكره باستمرار وأكرمهم وأبقاهم في مناصبهم ثم عزم على السير إلى بلاد الأوزبك لاستئصال شوكتهم ومن ثم أبقى معه الأمير غياث الدين محمد بن الأمير يوسف وهو سيد هرات وأحد كبار سادة خراسان وأبقى معه والي هرات حسين بيك وكذلك جمع في عسكره العديد من كبار قادة ولايات خراسان وزعمائها ثم توجه بهم إلى بلخ . فاستقبلهم واليها بيرام بيك فرماني استقبالا عظيما . وعبر الأمير نجم نهر جيحون بعد إعداد السفن اللازمة وعسكر في ضفته الأخرى ، وكان قد بعث الأمير غياث الدين محمد من بلخ إلى قلعة شادامان ليدعو الملك بابر إلى الانضمام إليه فقدم إليه الأمير غياث الدين في تلك الأيام وأخبره باقتراب الموكب البابري فسارع الأمير نجم الثاني وزعماء عسكره لاستقباله فالتقى الموكبان في المنطقة المعروفة باسم ( بند آهنين ) ، وقدم كل منهما هدايا لصاحبه بمقتضى الأعراف المتداولة آنذاك ثم جلسا للمشاورة فاستقر رأيهما على السير لاحتلال مدن ما وراء جيحون . وتجدر الإشارة هنا إلى بعض التغيرات التي طرأت على أخلاق الأمير نجم الثاني فهو بعد أن خلف الأمير نجم رزپر كوزير أعظم ونائب للملك أخذ على عاتقه تدبير شؤون الدولة المترامية الأطراف فأحسن سياسة الرعية وتلبية حاجاتها بكل رحابة صدر وازدادت صلاحياته اتساعا حتى فاق جميع الأمراء ورجال الدولة وبلغ من الثراء والعظمة والقدرة ما جعله في عداد زعماء العالم آنذاك ، فمثلا كان عدد حراسة خمسة آلاف فارس مدججين بالسلاح ويذبح في كل يوم مائة خروف لمائدته الخاصة ، إضافة إلى مظاهر عديدة يطول ذكرها . ومن الطبيعي أن الإنسان حينما يصل هذا المستوي من الجاه والسطوة فإنه يصاب بالغرور ويستبد برأيه وهكذا كان حال الأمير نجم الثاني فقد نسي الهدف الذي قدم إلى خراسان وما وراء جيحون من أجله ، فقد كان هدفه - كما أسلفنا - هو تقويم الملك بابر وإعادته إلى الاتحاد مع إيران إذا كان منصرفا عنه . وهكذا سار الأمير نجم نحو مدينة ترمذ محاطا بمظاهر العظمة والأبهة فاجتازها وهاجم ولاية خزار وكان عليها أحد سلاطين الأوزبك واسمه السلطان آق فولاد ولم ير هذا الحاكم في نفسه القدرة على المقاومة فتصالح مع الأمير نجم ثم سلمه المدينة بعد أخذ العهود والمواثيق ولكن الأمير نجم أمر بحبسه مع جماعة من الأوزبك ثم ضرب أعناقهم وعفا عن سكان المدينة . ثم توجه نحو مدينة قرشي فبادر حاكمها شيخيم ميرزا إلى إحكام تحصين مدينته والاستعداد للدفاع عنها بعد ما سمع بمصير السلطان آق فولاد . وعمد الأمير نجم إلى توزيع قواته على أطراف المدينة ثم أمر بنقب حصنها ورميها بالمنجنيق وما زال بها حتى فتحها عنوة فأسر شيخيم ميرزا وقواته ثم أصدر أوامره بإبادة أهل المدينة . وكان في المدينة بعض السادة فاعتصموا بالمسجد الجامع وتوسلوا بغياث الدين محمد ليتوسط لهم لدى الأمير نجم وفي نفس الوقت كان هناك جماعة من الجغتاي وهم القبائل المنسوبة إلى آل تيمور فتوسلوا بالملك بابر وأسرع الاثنان إلى الأمير نجم متوسلين به ليعفو عن السادة وأقوام الجغتاي ، ولكن الأمير نجم كان قد بلغ به الغرور حدا أعمى بصيرته فرفض وساطتهما ، وهكذا قتل شيخيم ميرزا بيك وما يقارب الخمسة عشر ألف من عساكر المدينة وأهاليها ومن بينهم الشاعر المعروف ( السنائي ) . وقد أحدثت مجازر مدينة قرشي ردة فعل عنيفة في نفوس قادة الجيش فساءت نظرتهم إلى الأمير نجم وتشاءموا من عاقبة حملاتهم القادمة . توجه الأمير نجم إلى بخارى بعد فراغه من أمر قرشي وحين بلغ مشارفها سمع أن عبيد الله خان والسلطان جافي بيك وأكثر