حسن الأمين
56
مستدركات أعيان الشيعة
وعند ما بلغ الشاه إسماعيل خبر وفاة رستم روز افزون بعث الأمير سيف الدين المظفر إلى مازندران لجمع الضرائب المتخلفة خلال السنين الماضية . فلما دخل حدود مازندران خرج لاستقباله حاكم بار فروش ( بابل حاليا ) الأمير نظام الدين عبد الكريم وهو من السادة الأشراف ، وكان يدعي وراثته للحكم في هذه المناطق . ومن جانب آخر قدم للاستقبال آقا محمد بن آقا رستم روز افزون وجلس الاثنان للمناظرة بحضور الأمير المظفر ، فكان الأمير عبد الكريم يزعم أن الشرع يقضي بتوليه الحكم في جميع ولايات مازندران لأن آباءه وأجداده كانوا يحكمون هذه الولايات لقرون عديدة ، وإن آقا رستم روز افزون خرج في السنين الأخيرة فاغتصب الحكم اغتصابا . بينما كان آقا محمد روزافزون يطالب بخلافة أبيه في حكم ساري ونواحيها ولم تخلص مناظرتهما إلى نتيجة ، فاصطحبهما الأمير المظفر معه إلى معسكر الشاه ، فدخلوه في نواحي سمنان حينما كان الشاه عازما على السير إلى العراق ، فقدم الخصمان هداياهما إليه وعرضا أمرهما عليه ، فشملهما بلطفه وعنايته وقرر إبقاء آقا محمد على ساري والمناطق التي كان أبوه آقا رستم حاكما عليها فيما عين عبد الكريم حاكما على باقي نواحي مازندران واشترط على الاثنين دفع الضرائب المتخلفة عن السنين الماضية إضافة إلى دفع الضرائب سنويا ، وتقرر بعد مداولات ومفاوضات طويلة أن يدفع الاثنان مبلغ ثلاثين ألف تومان عراقي سنويا ثم توجها إلى مازندران برفقة الأمير المظفر لدفع الضرائب المتخلفة إليه . وغادر معسكر القزلباش ولاية سمنان متوجها إلى قم ، فامضى الملك شتاءه فيها . وقدم عليه أيام إقامته فيها وفد مصر من قبل السلطان الغوري وكذلك سفراء الروم لتهنئته بفتح خراسان . الأوضاع السياسية في إيران الصفوية كان فتح خراسان يحظى بأهمية قصوى بالنسبة لإيران آنذاك ، فقد بقيت إيران مجزأة لقرون عديدة وإذا كان اسم الدولة ومحلها في زمن السلاجقة والخوارزميين هو اسم إيران ومحلها ، فان إيران كانت في الحقيقة جزء من دولة مترامية الأطراف ذات شعوب وأقوام كثيرة ، فمثلا كانت إمبراطورية ملك شاه السلجوقي تشمل سوريا وفلسطين وجميع أراضي الروم الإسلامية وتمتد من جانب الشرق إلى كاشغر وحدود الصين وحدود أفغانستان ، وكان ملك شاه في الواقع يرى نفسه سلطان المسلمين دون منازع ، ورغم أن مركزه هو إيران وأن اللغة الفارسية والعادات والتقاليد الإيرانية كانت تحظى بطابع رسمي إلا أن حدود إيران لم تكن مميزة وكذلك حدود الشعب الإيراني وإنما كان جزء من شعوب كثيرة كانت الإمبراطورية العظمى تشتمل عليها ، فكانت الأراضي الإيرانية تتعرض للتجزئة كلما تعرضت الدولة الكبرى للتجزئة . وحينما ظهر الشاه إسماعيل اكتفى بالحدود الطبيعية الأصلية لإيران . ففي الشرق والشمال الشرقي كان نهر جيحون ونهر السند الحدود الطبيعية لإيران بعد إخضاع والي قندهار لسلطان الدولة الصفوية ، وفي الحقيقة فان إيران بوصولها إلى جيحون والسند قد استعادت حدودها الطبيعية التي كانت عليها في زمن الساسانيين ، وهكذا الحال حينما امتدت حدودها في الشمال الغربي إلى مدينة دربند وجبال القفقاز وفي الغرب إلى السهول الممتدة على ضفتي شمال الفرات مثل قلعة كماخ ومدينة آمد وجميع نواحي ديار بكر التي يقطنها الأكراد والإيرانيون وكذلك وصلت حدود إيران في جنوب ديار بكر إلى أرض العراق وصحاري ولاية حلب وإلى الجنوب من ذلك في أراضي غربي القادسية والحدود الغربية لبابل القديمة ، فهذه هي إيران في العصر الساساني وهكذا نرى الشاه إسماعيل أخذ يوسع بلاده سعيا منه للوصول إلى الحدود القديمة لإيران . واندمجت إيران الغربية مع إيران الشرقية بفتح خراسان وأضحت دولة إيران الموحدة الكبرى . وحين بلغت الدولة العثمانية ودولة مصر أخبار فتح خراسان ، سعت الدولتان لتوثيق الروابط مع إيران القوية بحكم اقتضاء المصلحة السياسية . ومن المعروف أن الدولة العثمانية أخذت تطمح للسيطرة على جميع البلدان الإسلامية بعد فتحها للقسطنطنية ، ولكي تتمكن من تحقيق طموحاتها بدأت تكف يدها عن الجهاد في البلدان الأوروبية ثم وجهت جيوشها الجرارة المخيفة نحو البلدان الإسلامية . ومن الطبيعي أن هذا التحول الكبير الذي طرأ على مخططات الدولة العثمانية سبب نقصا كبيرا في شعبيتها ومكانتها في نفوس المسلمين ، فقد أتاح انشغال العثمانيين بالمسلمين فرصة ثمينة للأوروبيين استعادوا فيها قواهم شيئا فشيئا حتى بات تقدم العثمانيين في أوروبا أمرا متعذرا بل بدأ هؤلاء يتراجعون عن المواقع التي فتحوها في قلب أوروبا . وكان العداء مستحكما آنذاك بين مصر والدولة العثمانية لوجود التنافس بينهما ، ومن ثم كان قدوم سفراء الدولتين إلى بلاط الشاه إسماعيل في قم استمرارا لهذا العداء وهذا التنافس ، فقد كانت كل دولة منهما تطمح إلى كسب إيران إلى جانبها . وبالإضافة إلى هذه الأسباب التي قدم السفراء من أجلها كان الوفد العثماني الذي وصل قم عام 917 هيهدف إلى البحث في موضوع آخر ، نحاول أن نتعرض له فيما يلي باختصار : في الوقت الذي كان الشاه إسماعيل منصرفا إلى قتال شيبك خان في خراسان ، ظهر رجل في ضواحي أنقرة ، كان أنصار الدولة العثمانية يسمونه شيطان قلي .