حسن الأمين

50

مستدركات أعيان الشيعة

ثم فقد أعطي صلاحيات واسعة ، واستغل هذه الصلاحيات في إصلاح أمور البلاد والقضاء على الفساد الإداري وسوء التصرف بعائدات الدولة وأموال بيت المال ، ولذلك كان موته صدمة عنيفة للشاه الصفوي الشاب وحرمه من وزير لائق بهذا المنصب ، فخيم الحزن عليه فترة طويلة وقد أعلن الحداد العام في جميع دوائر الدولة بعد وفاة الأمير نجم واستمر هذا الحداد لعدة أيام وأقيمت مراسم العزاء وبعد أسبوع عين الأمير يار أحمد الأصفهاني في منصبه الذي كان عبارة عن وكالة الملك والنيابة عنه ، تنفيذا لوصية الأمير نجم في حضور الشاه إسماعيل بتعيين هذا الأمير خلفا له ، ولقب يار أحمد بنجم الثاني . وكانت صلاحيات نجم الثاني كبيرة جدا إلى حد أنها تجاوزت صلاحيات سلفه ، فقد أصبح جميع الأمراء والوزراء وأركان الدولة يأتمرون بأمره ويخضعون لاشرافه وكذلك خضعت لاشرافه جميع الشؤون الإدارية والمالية في البلاد . وكان الأمير نجم الثاني بحق رجلا مدبرا ، ذا همة عالية ، عادلا في سيرته وتعامله مع عموم الناس ، ولكن الأمر الذي يجدر ذكره هنا هو أن كثرة الصلاحيات في بلد واسع مثل البلاد الإيرانية لا بد أن يخلق نوعا من الغرور والاستبداد في الرأي ومن الطبيعي أن كل من يتخلق بهذه الصفات هالك لا محالة . وفي نفس هذه السنة امتنع حاكم شيروان شيخ شاه عن دفع الضرائب والخراج إثر تحريض المغرضين وخصوصا البلاط العثماني ، فأخذت وفود الشاه إسماعيل تتوافد عليه لهدايته ونصحه بالكف عن غيه ودفع ما بذمته ، ولكنها كانت تواجه في كل مرة بالرفض القاطع ، فلم ير الشاه إسماعيل مندوحة من التوجه إليه وتأديبه ومن ثم غادر ( خوي ) متوجها إلى شيروان في فصل الشتاء رغم غزارة الأمطار ونزول الثلوج . وما كادت أخبار قدوم جيش القزلباش تبلغ شيخ شاه حتى غادر عاصمته ( شماخي ) وتوجه إلى قلعة بيغرد ( [ بهپرد ] بهگرد ) المنيعة فاعتصم بها ، وعرف الشاه إسماعيل بالأمر فوجه قوة من جيشه لاحتلال مدينة شماخي وتوجه بمن معه إلى قلعة [ بادپوبه ] بادكوبة المحصنة ، إلا أن حاكمها أسرع لاستقباله وإعلان طاعته وتسليم مفاتيح القلعة للشاه الصفوي . وغادر الشاه قلعة بادكوبة بعد ذلك إلى ولاية شادبران ، فبادر حاكمها إلى استقباله وإعلان طاعته له وهكذا كان الحال في جميع القلاع والولايات باستثناء قلعة دربند ، فقد وقف حكامها للدفاع عنها لاطمئنانهم إلى استحكاماتها ومنعتها . وحين يئس الشاه إسماعيل من حاكمي القلعة أحمد آقا ومحمد بيك أسرع إليها بقواته فحاصرها وأمر جنود القزلباش بنقبها وإحداث الخنادق فيها ، وأفلح القزلباش خلال خمسة أيام باحداث اثني عشر نقبا في جانبي القلعة رغم صعوبة المكان وصلابة الصخور فيه واستثنى جانبا القلعة الآخران من العمليات العسكرية وهما الجانب المطل على بحر الخزر وجانب البوابة المعروفة بالبوابة الحديدية أو باب الأبواب والتي تمر الآن السكك الحديد بين بادكوبة وموسكو عبر الوادي المجاور لها . وشاهد محمد بيك وأحمد آقا نشاط القزلباش فأدركا أن سقوط قلعتهما قادم لا محالة ، فلم يريا بدا من التنازل عن المقاومة وطلبا الأمان من الشاه إسماعيل ، فامنهما وقربهما إليه وأدخلهما في سلك خدمه الخاصين ، ثم عين منصور بيك حاكما لدربند ونصب بيك حاكما على بلاد شيروان . وفي تلك الأيام أمر الشاه بعض خاصته ومقربيه باستخراج جسد السلطان حيدر الذي دفن في قصبة طبرستان خلسة قبل 22 عاما ونقله إلى مقبرة العائلة الصفوية لدفنه فيها إلى جوار جده الشيخ صفي الدين في أردبيل . وبعد الفراغ من فتح بلاد شيروان توجهت قوات القزلباش إلى مشتى قراباغ فامضت فيه بقية أيام الشتاء ، ومع حلول عيد نوروز ودخول الربيع توجهت إلى تبريز فاستقبلها أهالي المدينة بالزينة والاحتفالات . وفي تبريز انصرف الشاه الصفوي إلى تنظيم شؤون مملكته ومتابعة أمور القفقاز وآذربايجان وديار بكر ورفع حوائج المعوزين . وبعد فراغه من ذلك عزم على السير لفتح خراسان ، فغادر مدينة تبريز متوجها إلى سلطانية وهناك أصدر أوامره باستدعاء القوات العسكرية . فتح خراسان يذكر التاريخ أن آخر الملوك الذين خلفوا الأمير تيمور وتربعوا على عرش خراسان هو السلطان حسين ميرزا بايقرا الذي تزامنت السنين الأخيرة من حكمه مع بداية حكم الشاه إسماعيل . وكانت المودة هي الطابع العام الذي يغلب على العلاقات بين السلطان بايقرا والشاه إسماعيل ، إلا أن بداية الأمر لم تكن كذلك ، فحين باشر الشاه إسماعيل بالقضاء على أمراء الآق قويونلو ، لجا بعضهم إلى خراسان وسعى للإيقاع بين بلاط هرات وبلاط تبريز ، فكان أن تغيرت لهجة حكومة بايقرا في مراسلاتها مع بلاط الشاه الصفوي فلم تراع الأدب والاحترام ، وانزعج الشاه لهذا التغير وأضمر الأمر في نفسه . وفي تلك الأثناء حدثت اضطرابات في يزد بزعامة عدد من المشاغبين وعلى رأسهم محمد كره ، فأسرع الشاه إسماعيل إلى يزد وقضى على رؤوس الفتنة فيها ، ثم توجه إلى صحراء طبس فقتل العديد من المسلحين وأفراد الجيش فيها ، وألقى بذلك الرعب في قلوب الخراسانيين ووجه إليهم إنذارا صريحا ، وخشي السلطان حسين بايقرا عاقبة الأمر فبعث إلى الشاه الصفوي بوفد لتوطيد أواصر المحبة معه والاعتذار إليه عما بدر من حكومته .