حسن الأمين
44
مستدركات أعيان الشيعة
سلك مريدي الصوفية . وقد ذكر المؤرخون أن قبيلة ذو القدر كانت تتالف من ثمانين ألف عائلة ، وكان علاء الدولة آخر ملوكهم وقد تميز بسياسته وحسن تدبيره حين احتفظ بملكه في جوار دولتين قويتين هما الدولة العثمانية والدولة المصرية . ويذكر إسكندر بيك في كتابه ( تاريخ عالم آرا ) بأنه كان إذا قدم إليه السفراء العثمانيون يلبس بعض أتباعه الزي المصري ، ثم يقول للسفراء بأنهم رسل الدولة المصرية إليه وقد قدموا لتحريضه على الدولة العثمانية ولكنه رفض دعوتهم وتحريضهم لاحترامه للعلاقات الودية مع الدولة العثمانية ، وكان يفعل العكس إذا قدم إليه سفراء الدولة المصرية . وبعد مقتل علاء الدولة لجا الميرزا مراد آق قويونلو إلى السلطان العثماني سليم ، وحين عزم الأخير على دخول الحرب مع إيران لم ير مراد صلاحا في مرافقته ففضل الانفصال عنه وقدم إلى ديار بكر فجمع أتباعه فيها وسار بهم لاحتلال مدينة أورفا . وكانت مدينة أورفا آنذاك بيد قوات القزلباش وحاكمها من قبل الشاه إسماعيل هو آجه سلطان قاجار . وخرج آجه سلطان من حصنه لقتال عدوه في ثمانمائة مقاتل من القزلباش ، وكان عدد قوات العدو ثمانية آلاف مقاتل ، فاشتبك الطرفان وقتل الميرزا مراد وتفرق جيشه وانقرضت بمقتله سلالة الآق قويونلو . فتح بغداد في خريف عام 914 هعزم الشاه إسماعيل - وكان في همذان آنذاك - على فتح العراق واحتلال بغداد . فعند ما هرب الميرزا مراد من شيراز إلى بغداد ثم توجه إلى ديار بكر وتخلف عنه في بغداد أحد كبار أمرائه ، ويدعى باريك بيك . واستطاع هذا بحسن تدبيره وسياسته وبالاستعانة بالقوات التي خلفها الميرزا مراد أن يخضع لسلطته منطقة شاسعة امتدت من حدود ديار بكر حتى شط العرب . وكان الشاه إسماعيل آنذاك يفكر في توسيع إيران ، فرأى أن يبدأ باحتلال العراق وانتزاع آخر ولاية بقيت تحت سيطرة التركمان الآق قويونلو ، قبل أن يتوجه إلى خراسان . وفي أول خطوة على هذا السبيل بعث إلى بغداد بأحد خواصه ويدعى خليل بيك يساول وهو رجل محيط بدقائق الأمور وواقف على القضايا الإدارية والعسكرية ، وكانت مهمته إقناع باريك بيك بالدخول في طاعة الشاه إسماعيل وتحذيره من مغبة التمرد والعصيان . وتوجه خليل بيك إلى بغداد محملا بخلع فاخرة وتاج ثمين ، وبلغ خبر مقدمه باريك بيك فبعث جماعة من أصحابه المقربين لاستقباله بالقرب من خانقين على مسافة ثلاثة أيام من بغداد ، فاستقبل موكب السفير بحفاوة واحترام ، وأدخل بغداد فأسكن في بستان الميرزا پير بوداغ وهو من الآثار الجميلة التي خلفها التيموريون في بغداد . وأبدى باريك بيك طاعته وخضوعه للشاه وارتدى التاج والخلع الملكية وتوج أكثر الناس بالتيجان القزلباشية ثم أعد هدايا ثمينة وبعث بها إلى البلاط الصفوي مع خليل بيك وأرسل معه أحد أمرائه واسمه بو إسحاق شيره جي سفيرا له في البلاط الصفوي . والتقى خليل يساول وبو إسحاق بالشاه إسماعيل في همذان وقدما الهدايا إليه ، فلم يلتفت الشاه إليها ولكنه عامل السفير بو إسحاق بالحسنى وشمله بعطفه . لم يكن الشاه إسماعيل من الأشخاص الذين ترضيهم المجاملات وتخدعهم المداهنات فقال للسفير بو إسحاق : قل لباريك إذا كان تابعا لدولتنا فليقدم علينا ، ولينتظر أمرنا وإلا فسينال جزاءه . ونقل بو إسحاق إلى باريك ما شاهده وما سمعه ، فعزم الأخير على المقاومة ، ثم أعلن خلافه بعد أن سمع بقدوم قوات القزلباش ، وخلع تاج القزلباش عن رأسه وأخذ يجمع الغلال من أطراف بغداد إليها فجمع فيها ما يكفي لثلاث سنين . ثم باشر بتحصين بغداد وتجهيزها بما يلزم للمقاومة . وكان في العراق سيد جليل ذو نسب رفيع اسمه السيد محمد كمونة ورث النقابة والوجاهة في النجف أبا عن جد ، ولم ترض السيد تصرفات باريك فلامه عليها ، فأمر باعتقاله وحبسه في قعر بئر عميق مظلم . وانتدب الشاه إسماعيل حسين بيك لتقدم القوات في فوج من القزلباش ، وكان هذا رجلا مدبرا فتوجه نحو كرمانشاه ومنها إلى خانقين وكان شديد البطء في حركته ، وغايته من ذلك وصول الأنباء التي كانت تحمل تباعا إلى داخل العراق لسكان المدن العراقية الناقمين على حكم الأتراك ليقوموا بمواجهتهم وليزداد اضطراب باريك بيك وارتباكه . وقد أفلح حسين بيك فيما ذهب إليه ، فما كاد يقترب من بغداد بمسافة منزلين حتى أحس باريك بيك أن أكثر أعيانه وأمرائه يبطنون الولاء لملك إيران وحذره أصحابه المقربون من احتمال خروج حراسة عليه وتسليمهم إياه إلى قوات العدو . فاخذ الرعب من قلبه مأخذه وعزم على الفرار من المدينة ، فركب زورقا بخاصته تحت جنح الظلام وتوجه إلى حلب .