حسن الأمين
151
مستدركات أعيان الشيعة
عن سيرته الشخصية ، التمييز بين حقبتين في حياته . الأولى : الحقبة الإيرانية وهي التي تكونت أثناءها شخصية حيدر بن علي بن حيدر العبيدي الحسيني الآملي العلمية والاجتماعية . تفرغ لتحصيل عقائد مذهبه وجميع مراتب العلوم المتعلقة بها من المعقول . والمنقول وتنقل طلبا للعلم والاستزادة منه بين بلدته آمل وخراسان وأسترآباد وأصفهان . وخصه الملك فخر الدولة كما يقول « بالكرامة والجلالة ، وجعلني من أقرب أصحابه وندمائه ثم من أخص خواصه ثم من أعظم نوابه وحجابه » ثم طلبه غيره من الملوك والأمراء وعاش في بحبوحة ورغد عيش « حتى غلب في باطني دواعي الحق وكشف الله لي فساد ما أنا فيه من الغفلة والجهل . وظهر لي ضلالي عن طريق الحق . . . فناجيت ربي في السر وطلبت منه الخلاص عن الكل ، وحصل لي شوق تام إلى الترك والتجريد ، والتوجه إلى حضرة الحق بقدم التوحيد . . . فتوجهت لزيارة جدي رسول الله والأئمة المعصومين بنية الحج « ( 1 ) . والحقبة الثانية هي الحقبة العراقية التي تبدأ من وصوله إلى العتبات المقدسة عام 751 هحتى عودته ثانية إلى بلده مرورا بمكة المكرمة ولبسه « الخرقة » الصوفية ، وما أجراه على نفسه من صنوف المجاهدات والاشتغال بالرياضة والخلوة والطاعة والعبادة . ويورد الآملي في هذا المقام تفاصيل حلمين ، أحدهما : أنه رأى نفسه في المنام أن جسمه مدد على الأرض ، وهو ميت ملفوف بالكفن الأبيض بينما هو يتفرج ويعجب كيف أنه واقف ، وكيف هو ميت مرمي ! وفي مثل هذا الحلم نموذج للحالة الشعورية الداخلية التي تنتاب الآملي بعد ما انقطع عن زمنه الدنيوي ، ليتكرس كليا لخدمة الحق الإلهي . فالحلم رمز للتخلي والتضحية بالنفس لينذرها في سبيل هدف سام . والموت هو « البذرة المدفونة » في الأرض العذراء . « الموت الرمزي » موت الشخصية القديمة من أجل بلوغ الولادة الروحية الجديدة . وهو ما يسمى في عمليات المسارة initiation المولود مرتين ( 2 ) . وهو منذ الآن لن يعمل أو يكتب إلا ما يأمره به [ أ ] الله تعالى « فيضع تأويله للقرآن المسمى » المحيط الأعظم والطود الأشم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم « بأمر من » الحق تعالى « كما يقول . كذلك كتابه « جامع الأسرار ومنيع الأنوار » وغيرهما . وهو إذ يحرر كتبه بالفارسية والعربية يبغي غرضا واحدا « إيصال المعنى خالصا الله » ( 3 ) لذلك لا يهتم بما يغشى أسلوبه من ركاكة أو ضعف أو أخطاء ، ولا ينسب ذلك إلى الجهل ، بل إلى الغرض الذي يأخذ بمجامع لبه ، وهو الخلوص إلى الباري . كان لمؤلفات هذا الفيلسوف المغمور ، في حقبة ما قبل الحكم الصفوي في إيران الدور نفسه الذي لمؤلفات الملا صدر الدين الشيرازي فيما بعد ولا يمكن للباحث أن يفهم العديد من التصانيف الإسلامية الشيعية في العهد الصفوي إلا بالرجوع إلى الآملي . وظهر الآملي في الحقبة الثالثة الممتدة من نصير الدين الطوسي ، حتى النهضة الصفوية في إيران ، وصبغت هذه المرحلة الشديدة الخصوبة بتأثير ابن عربي ( [ 628 ] 638 ه 1240 م ) على الفكر الشيعي وأحصى الباحث عثمان يحيى أكثر من مائة وخمسين شرحا لكتاب « فصوص الحكم » لابن عربي منها ثلاثون شرحا لايرانيين . وشرح للآملي : « نص النصوص في شرح الفصوص » . وأدى هذا الشرح وسائر كتب الآملي إلى إدماج آراء ابن عربي الصوفية في ثنايا الفكر الشيعي الاثني عشري . وقدم حيدر الآملي بتمثله نظرية ابن عربي صياغة توليفية تجمع منهج الذوق والحدس إلى منهج النظر والبرهان . وتوحد بين التنزيل والتأويل ، وبين الشريعة والحقيقة . وتتجلى سمات هذه التوفيقية في كتاب « جامع الأسرار ومنبع الأنوار » واشتهر بهذا الكتاب حتى أن معظم المصنفين كانوا يلقبونه بصاحب جامع الأسرار . وهو محصلة الأصول والعقائد الجامعة بين طائفتي الشيعة والصوفية . وبكلام أدق ، هو محاولة لربط التصوف والعلوم الكشفية بالتراث الشيعي الإمام أي بالمورد والأصل والأساس . فالطائفتان في رأيه على خلاف « مع أن ماخذهم واحد ، ومشربهم واحد ، ومرجعهم إلى واحد » ( 4 ) . ويرى إلى أن نسبة الصوفية إلى الشيعة كنسبة الظاهر إلى الباطن ، أو ما يسميه الشريعة إلى الحقيقة . والآملي بتنكبه أمر الصوفية إنما يأخذ بيد الشيعة الإمامية الاثني عشرية لتستدرك ما فاتها من حقائق الصوفية المحتجبة عن بعض الأذهان . ويكشف من جهة أخرى ، للمتصوفة عن تصوراتهم الباطلة ، أو قصورهم في الوصول إلى حقيقة الأئمة المعصومين ودورهم . وكتابه « جامع الأسرار . . . » يتوسل بالبرهان العقلي والدليل النقلي ليبين أن جماعة الصوفية هم الشيعة الحقيقيون والمؤمنون الممتحنون « وحملة الأسرار الإلهية وحفظتها . واسم الشيعة شامل للكل : أهل الظاهر وأهل الباطن . وما المؤمن الذي امتحن [ أ ] الله قلبه للايمان في سياق الحديث المأثور عن الأئمة ( 5 ) الا صنف خاص من الشيعة هم الصوفيون القائمون بباطن علوم الأئمة . أما المؤمن دون وصف ، فهو الشيعي مطلقا القائم بظاهر علومهم والصوفية على طريقة أهل السنة وإن كانوا فرقا كثيرة لكن الفرقة الحقة ، هي الفرقة الموصوفة بهذه
--> ( 1 ) المقدمة العربية لكتاب » جامع الأسرار « لعثمان يحيى ص 42 - 44 . ( 2 ) « كتابات معاصرة » : دلالات ميتولوجية برسم الأنتربولوجيا : أحمد زين الدين . العدد ( 3 ) ص 125 - 126 . ( 3 ) جامع ، ص 612 . ( 4 ) جامع ، ص 4 . ( 5 ) « أمرنا صعب مستصعب ، لا يحتمله إلا ملك مقرب ، أو نبي مرسل ، أو مؤمن امتحن [ أ ] الله قلبه للايمان » .