حسن الأمين

145

مستدركات أعيان الشيعة

في همذان . وعند ما انهارت الدولة السامانية ، رحل ابن سينا عن بخارى إلى خوارزم ثم إلى جرجان ، فأقام عند الفيلسوف أبي حمد الشيرازي الذي اشترى له منزلا في جواره . وفي هذا المنزل وضع ابن سينا عددا من مؤلفاته ، وباشر في كتابة « القانون في الطب » . ثم توجه ابن سينا إلى همذان ، فأقام فيها تسع سنوات ، يتعهد معالجة المرضى ، وعالج أميرها شمس الدولة ، فشفاه . وكان شفاء الأمير سببا في انطلاق شهرة ابن سينا في الطب ، فعينه الأمير وزيرا عنده . وفي سنة 1037 [ ] م توفي في همذان بسبب المرض ، وهو في السابعة والخمسين من العمر . وله في المدينة ضريح تذكاري ومكتبة كبرى تحمل اسمه . كان ابن سينا على جانب كبير من الذكاء والتوقد الذهني ، وترك العديد من الكتب والرسائل ، أهمها في المنطق ، وعلم النفس ، والفلسفة ، والأخلاق ، والطب ، والشفاء ، والحكمة . أعماله في الفلسفة والطب كانت مرتكزا للعلوم والآداب في العصور الوسطى ومهيئة لعصر النهضة . كتابه « القانون في الطب » ترجم إلى اللاتينية وشاع في أوروبا واستمرت نصوصه تدرس في جامعاتها حتى القرن السابع عشر . تأثر بالفلسفة اليونانية ، لا سيما فلسفة « الواقع » Realism التي وضعها أرسطو ، وهي تعتمد على العلم والمنطق . ويقال أن ابن سينا بلغ من الشهرة في زمانه ما بلغه أرسطو في عصر الإغريق . الروح والجسم اعتقد ابن سينا بخلود الروح ، وأنها لا تموت بموت الجسم ، وهي لا تقبل الفساد أصلا . وأن الجسم لا يكون من دون الروح ، بينما على العكس ، فالروح تستطيع أن تعيش بمعزل عن الجسم ، ومتى انفصلت الروح عن الجسم يفنى هذا الأخير ويصبح شبحا . ووجد ابن سينا أن الروح هي صورة الجسم تمكنه من الظهور بمظهره الذاتي ، ومن القيام بأعماله وواجباته . ورأى أن الجسم يحتاج إلى الروح لكي يعيش ، بينما الروح لا تحتاج إلى الجسم بشيء . ولا يقوم جسم إلا إذا اتصلت به روح خاصة به . بينما الروح هي هي سواء اتحدت بالجسم أم لم تتحد . ولا يوجد جسم من دون روح ، لأن الروح مصدر حياة الجسم ، وهي تقوده في أعماله وترشده في أفعاله وتصرفاته . وفي اعتقاد فيلسوفنا ، أنه باتحاد الروح والجسم ، تقوم الروح بوظيفتين أساسيتين : قيادة الجسم ، وإدراك المحسوسات وتفهمها . القانون في الطب كتاب « القانون في الطب » لابن سينا هو من أشمل الكتب الطبية في القرون الوسطى التي اعتمدها العالم في الشرق والغرب . إنه موسوعة تبحث في مواضيع عدة ، في وظائف الأعضاء ، وعلم الأمراض ( باثولوجيا ) ، ووسائل المداواة ، والوصفات الطبية ، وتركيب الأدوية . . . وفي الكتاب شروحات عن الالتهابات ، والآلام العصبية ، وأمراض الجلد ، والسكتة القلبية ، وعقاقير تنشيط القلب ، وكان ابن سينا يعتقد أن للجسم مناعة طبيعية ضد الأمراض إذا كان سليما ، قويا ، وهو كشف أن الحالات النفسية ( فرح ، حزن ، خوف ، قلق ) تؤثر في سير المرض سلبا أو إيجابا . خصص ابن سينا القسم الثالث من كتابه « القانون في الطب » للتحدث في شؤون الرياضة البدنية وأنواعها وأشكالها . وهذا القسم يقع في 17 فصلا وهو يمهد لذلك بالقول في « تدبير الأطفال » : « يجب أن يكون وكد العناية مصروفا إلى مراعاة أخلاق الصبي ، فيعدل ، وذلك بان يحفظ ، كي لا يعرض له غضب شديد أو خوف شديد أو غم . . . وأن ينشأ من الطفولة حسن الأخلاق ، ويصير ذلك له ملكة لازمة » . ووجد ابن سينا « أن الغضب يسخن جدا ، والغم يجفف جدا ، والبلادة ترخي القوة النفسية . ففي تعديل ( موازنة ) الأخلاق حفظ لصحة النفس والبدن جميعا » . في هذا المنحى نجد ابن سينا يماشي فلسفة سقراط وأفلاطون في ضرورة حفظ التوازن عند الإنسان ، روحا مفهوم الرياضة تناول ابن سينا في الفصول السبعة عشر شؤون الرياضة وأنواعها ، ووقت البدء بها وتوقيتها ، وشئون التدليك ، والاستحمام ، والغذاء ، وتقوية الأعضاء الضعيفة ، ومعالجة التعب العضلي ، ورياضة المتقدمين في السن . وهو يقول في الفصل الأول « جملة القول في الرياضة » : « لما كان معظم تدبير حفظ الصحة هو أن يرتاض الإنسان ، ثم تدبير الغذاء ، ثم تدبير النوم ، وجب أن نبدأ بالكلام في الرياضة ، فنقول : الرياضة حركة إرادية تضطر إلى التنفس العظيم المتواتر والموفق لاستعمالها على جهة اعتدالها في وقتها ، به غناء عن كل علاج تقتضيه الأمراض المادية والأمراض المزاجية التي تحدث عنها ، وذلك إذا كان سائر تدبيره موافقا صوابا . وبيان هذا هو أنا كما علمت مضطرون إلى الغذاء ، وحفظ صحتنا هو الغذاء الملائم لنا ، المعتدل في كميته وكيفيته ، وليس شيء من الأغذية بالقوة يستحيل بكليته إلى الغذاء بالفعل ، بل يفضل عنه في كل هضم . . » . ثم تناول ابن سينا ( في الفصل الثاني ) أنواع الرياضة فقال . . « الرياضة منها ما هي رياضة يدعو إليها الاشتغال بعمل من الأعمال الإنسانية ، ومنها رياضة خالصة ( صرف ) وهي التي تقصد لأنها