حسن الأمين

130

مستدركات أعيان الشيعة

لكنهما : أ - إن كانا كليين فلهما أجزاء ، وإن كانت لهما أجزاء فلكل جزء أطراف ، وإذن فهذه الأجزاء محدودة بحدود ، وكل ما كان محدود الأجزاء فهو محدود الكل ، والمحدود متناه إلى غيره ، وإذن يكون مع الكونين غيرهما ، لكننا فرضنا وجودهما وحدهما ولا شيء غيرهما ، وهذا محال . ب - إن كانا جزءين فلهما كلان ، أو كل واحد يجمعهما ، وعلى أي الحالتين وجب ما قد وجب في الكل كما بينا في « أ » . ج - وإن كان أحدهما كليا والآخر جزئيا ، ولم يكن ثمة سواهما ، فالجزء منهما هو جزء الكل ، والكل منهما هو كل للجزء ، فهما - إذن - ذات واحدة ، أحدهما جزء من الكل ، ومتى أفرد الجزء صار ما بقي من الكل جزءا أيضا ، فيكون الكل كلا جزءا من جهة واحدة ، وهذا محال . د - وإن كان كل منهما جزئيا كليا ، فاما أن يكون ذلك من جهة واحدة ، أو من جهتين مختلفتين : 1 - فإن كان من جهتين مختلفتين فهو جزء لما هو أكثر منه ، كل لما هو أقل منه ، وهذا يجعله لا متناهيا من جهة ومتناهيا من جهة أخرى ، كما يجعل هناك لا متناهيا أكثر من لا متناه آخر ، وهو محال . 2 - وإن كان ذلك من جهة واحدة ، فهو كل وجزء معا وهذا محال . ه - وإن كانا - أو كان أحدهما - لا كليا ولا جزئيا ، فقد ثبت جرم لا كل له ولا جزء ، وهذا محال ( 1 ) . 12 - الكمون والظهور : ونختم بهذه الفقرة مختاراتنا من أمثلة الجدل الفلسفي عند جابر بن حيان ، وهو كله جدل أراد به إثبات الواحدية وإنكار التعدد ، فلو كان العالم مشتملا على أجناس كثيرة وأنواع كثيرة ، فلا يخلو ذلك من أن يكون : اما أن بعض الأشياء كامنة في بعضها الآخر ، كالجنين يكمن في النطفة ، والشجرة كامنة في الحبة وهكذا ، وأما أن يكون ظهور بعض الأجناس إبداعا وخلقا من عدم . فاما الفرض الأول فيتقضى إنكار وجود الخالق الذي يخلق الكون من عدم ، لأنه فرض يحيل الأمر إلى تطور يرتد إلى الوراء حلقة بعد حلقة حتى تنتهي إلى طبائع أولية ، وأما الفرض الثاني فيجعل فاصلا بين سلسلة الكائنات المتطور بعضها من بعض ، وبين الخالق الذي أنشأها بعد أن لم تك ، ويحدثنا جابر بان الرأي الأول هو قول « المنانية » ، وأما الرأي الثاني فهو الذي يأخذ هو به ويقيم عليه البرهان ، « فأهل الإبداع هم القائلون بالتوحيد ، والمبطلون قول المنانية وغيرهم ممن قال بقولهم في كمون بعض الأشياء في بعض » ( 2 ) . القديم والمحدث : الله خالق وهو أزلي ، والطبيعة مخلوقة وهي حادثة ، فعلى أية صورة يجوز لنا أن نتصور الصلة بين الخالق والمخلوق ، بين القديم والمحدث ؟ يجيب ابن حيان عن ذلك بما معناه ( 3 ) : اعلم أن الكلام في القديم والمحدث - عافاك الله - من أصعب الأمور عند جلة الفلاسفة وقدمائها ، ولو قلت أن أكثرهم مات بحسرته لكنت صادقا ، فأرباب هذا العلم هم أشد الناس تعظيما لعلمهم هذا وصيانة له وحفظا عن غير مستحقه ، وإن يكن تحصيله سهلا عليهم يسيرا لديهم ، لأنهم يدركون الحقيقة بالشهود المباشر ، ويفيضون بها فيضا ، فلا يحتاجون في ذلك إلى أعمال فكر في إقامة الدليل على ما قد أدركوا ، ولا إلى استعمال لفظ في التعبير عما قد أدركوا ( 4 ) ، غير أنهم وإن كانوا كذلك في شهودهم للحق وإدراكهم له ، فان علمهم لا ينتقل إلى سواهم إلا إذا كان هؤلاء في منزلة قريبة من منزلتهم ، فليس الناس في إدراك الحق سواء ، بل منهم من يحتاج إلى واسطة ، ومنهم من يتصل بالحق صلة مباشرة لا واسطة بينه وبينه . وإذا أدركنا « القديم » استطعنا أن ندرك خصائص المحدث بالاستدلال ، لأن القديم والمحدث ضدان ، والعلم بأحد الضدين هو علم بالضد الآخر ، فطريق الفكر هو من القديم إلى المحدث ، ندرك الأول إدراكا مباشرا ثم نستدل الثاني منه ، وليس العكس كما ظن « جهلة المتكلمين » في هذا الباب ، إذ استدلوا على الغائب ( القديم ) بالشاهد ( المحدث ) على بعد ما بينهما ، فكأنهم استشهدوا بالجزء على وجود الكل برغم ما في هذا المنطق من فساد ( 5 ) . إن أخص صفة « للقديم » هو الوجود الذي يستغنى به عن الفاعل ، أي أنه وجود بغير موجد ، وذلك لأنه موجود وجودا أزليا ، ولو كان موجودا بفعل فاعل لكان هذا الفاعل أسبق منه وجودا ، وأي كائن يتقدمه غيره في الوجود يكون محدثا وغير أزلي ، لكنه إذا كان الوجود صفة من صفات القديم ، فهو كذلك صفة من صفات المحدثات ، بل أن وجود المحدثات ليس عرضا ، بل هو وجود بالضرورة أيضا ، وذلك لأن الآثار تكون شبيهة بمؤثرها ، وإذا كان الأمر كذلك ، وجب الوجود للمحدث عن وجود القديم ، والفرق بين الوجودين هو أن وجود القديم يستغني عن الفاعل ، ويكون علة لوجود غيره ، وأما وجود المحدث فهو يحتاج إلى فاعل يكون علة لغيره . ومن خواص القديم أيضا أن تكون جميع المحدثات من فعله وأثره ، إذ لا بد لجميعها من انتهاء إليه ورجوع إلى كونه علة لها - أما قريبة وأما بعيدة -

--> ( 1 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة الثانية . ( 2 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة الخامسة والعشرون . ( 3 ) كتاب القديم . ( 4 ) أحسب أن جابرا يريد بهذا أن يقول : أن إدراك « القديم » ( المبدأ الأزلي الأول ) لا يكون عن طريق التفكير الفلسفي القائم على البرهان والقياس ، بل يكون عن طريق الإدراك الصوفي . ( 5 ) في هذا تأييد لقولنا بان جابرا يجعل وسيلة إدراك الله هي الحدس الصادق الذي عرف به المتصوفة ، لا الاستدلال القياسي الذي يتميز به تفكير الفلاسفة والمتكلمين .