حسن الأمين

120

مستدركات أعيان الشيعة

للاختلاف بين مختلف الباحثين ، وجب أن يكون أساس التحديد هو السلوك المشاهد للشيء الذي أطلقت عليه تلك الكلمة ، فإذا اتفقنا على أن ذلك السلوك هو أب ج د ، كانت أب ج د هي ما يحدد الكلمة المراد تحديدها ، فإذا اختلف اثنان في معناها كان الفيصل بينهما هو ما يشاهدانه معا من الجانب الأدائي للشيء ، ومعنى هذا كله هو أن « العمل » يأتي في المشاهدة أولا ، وبعد ذلك يجيء علمنا بحقيقة الشيء الذي كان من شانه أن يؤدي ذلك العمل ، وثالثا - لو اختلفت عبارتان لفظيتان في مضمونهما ، لكن « العمل » الذي تنطوي عليه إحداهما هو نفسه « العمل » الذي تنطوي عليه الأخرى ، لوجب أن تكون العبارتان مترادفتين في المعنى مهما بدأ في ظاهرهما من تباين ، لأن العمل الواحد لا يصدر عن شيئين مختلفين جوهرا ، والعكس صحيح أيضا ، وهو أنه محال علينا أن نصرف معنى واحدا إلى شيئين مختلفين في الجانب الأدائي ، لأنه ما دام الأداء قد اختلف ، فقد اختلفت خاصية الشيء المؤدى - وهذا كله متضمن في عبارة جابر بن حيان التي أسلفناها : أ - فالخاصية تابعة لعملها . ب - الخاصية الواحدة ( أي العمل الواحد ) لا يكون في شيئين مختلفين . ج - إذا اتفق شيئان في خاصية واحدة ( أي في عمل واحد ) كانا في الحقيقة شيئا واحدا من حيث جوهرهما . د - إذا كان لشيئين تعريفان مختلفان ، فمحال أن يتحدا في فعل واحد . ه - إذا كان لشيئين تعريف واحد ، كان الشيئان متفقين في الخصائص ، أي فيما يحدثانه من أثر . تلك لمحات عن خصائص الأشياء وحدودها ، وعلى أساس هذه الخصائص تبتني موازين الأشياء ، وميزان الشيء هو الحكم عليه لا من حيث كيفه بل من حيث مقداره ، وبغير معرفة المقادير ، ينسد طريق العمل أمام العالم الذي يتناول الأشياء بتدبيره وتصريفه . ولعل فكرة « الميزان » أن تكون أدق وأعسر وأهم فكرة لجابر بن حيان ، وسأحاول هنا عرضها عرضا مبسطا أتخلص فيه من التفصيلات التي تعقد الفهم ولا تفيد كثيرا في رسم الصورة العامة التي نحاول أن نقدمها عن جابر . يقول جابر - على سبيل الإجمال - : إن « العلة الأولى هي العقل ، والعقل هو العلم ، والميزان هو العلم ، فكل فلسفة وعلم فهو ميزان ، فكان الميزان جنس ، والفلسفة فرع ينطوي تحته ، هي وكل ما يتصل بها من فروع » ( 1 ) - ومعنى ذلك أن المبدأ الأول الذي يجوز لنا أن نتصور كل شيء آخر متفرعا عنه ، لكننا لا نتصور ما هو أسبق منه ، هو العقل ، فلو لا وجود العقل بادئ ذي بدء ، لما كان كون ، وإذا كان هذا هكذا ، فكل شيء في العالم إنما يسير وفق مبادئ العقل ، وليس الأمر متروكا للمصادفة العمياء ، « فالعلة الأولى هي العقل » والعقل والعلم اسمان مترادفان على مسمى واحد ، فما تسميه عقلا هو نفسه ما يصح أن تسميه علما ، لأن العلم عقل جسد وتبلور في قوانين تسير عليها الطبيعة ، وما كانت هذه القوانين لتصاغ إلا إذا عرفنا طبائع الأشياء ومقدار هذه الطبائع في كل شيء على حدة ، ومن هنا كان « الميزان هو العلم » ، لولا أن كلمة « ميزان » أعم من كلمتي علم وفلسفة ، لأن كل حصر لمقادير الأشياء ميزان ، وبعض هذه المقادير يندرج تحت عمل الفيلسوف وبعضها يندرج تحت عمل العالم ، « فكان الميزان جنس ، والفلسفة فرع ينطوي تحته ، هي وكل ما يتصل بها من فروع » - وفي هذا المعنى نفسه يقول جابر في موضع آخر : « إن قواعد الفلسفة هي قواعد الميزان ، أو بعض قواعدها قواعد الميزان » ( 2 ) أي أن عمل الفيلسوف إما أن يجيء متطابقا مع العلم بالموازين تطابق المتساويين ، وإما أن يكون علم الموازين شاملا للفلسفة بجانب منه دون جانب . وخشية أن يختلط أمر « الميزان » في الأفهام ، بسبب تعدد معاني هذه الكلمة ، قال ابن حيان منبها : إن هنالك نوعين من الميزان ، فهو إما ميزان للطبائع ، وإما ميزان وزني ، فاما ميزان الطبائع فهو العلم الذي نعلم به كم من الطبع الفلاني ( الحرارة ، البرودة ، اليبوسة ، الرطوبة ) موجود في الكائن الفلاني ، هل تغلب عليه الحرارة أو البرودة ، واليبوسة أو الرطوبة ؟ فان كانت الحرارة غالبة عرفنا أن البرودة فيه مستكنة مستبطنة ، وإن كانت البرودة غالبة عرفنا أن الحرارة فيه هي المستكنة المستبطنة ، وكذلك قل في صفتي اليبوسة والرطوبة ، وما دمنا قد عرفنا أي الطبائع قد غلب فظهر ، وأيها قد انكمش فاختفى ، فان طريق العمل ينفتح أمامنا لإجراء التجارب التي نحول بها الجسم على أي نحو أردنا ، فنقلل من حرارته لنزيد في برودته ، أو نقلل من صلابته لنزيد من ليونته ، وهكذا ، وسنذكر بعد قليل لمحة من وزن هذه الطبائع بمقادير كمية متفاوتة كيف يكون . هذا هو ميزان الطبائع ، وأما « الميزان الوزني » فهو أن يكون مقدار الوزنين في الميزان مقدارا واحدا ، على أن « للميزان الوزني » معنى آخر ، وهو أن يتماثل الشكلان ، فإن كان أحدهما مدورا كان الآخر مدورا كذلك ، أو مسطحا كان مسطحا . ومن معاني الميزان كذلك أن يحلل الشيء المركب المخلوط إلى عناصره التي منها ركب وخلط ، وفيها يقول جابر : « أما موازين الأشياء التي قد خلطت مثل أن يخلط زجاج وزيبق على وزن ما . . . فان في قوة العالم في الميزان أن يكون لك كم فيه من الزجاج وكم فيه من الزيبق ، وكذلك الفضة والذهب ، والنحاس والفضة ، أو ثلاثة أقسام أو أربعة أو عشرة أو ألف إن جاز أن يكون ذلك ، فانا نقول : إن هذا من الحيل على تقريب الميزان وهو حسن جدا ، ولو قلت أنه كالدليل على صحة هذا العلم - أي علم الموازين - لكنت صادقا . . . » ( 3 )

--> ( 1 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة الثانية . ( 2 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة الأولى . ( 3 ) كتاب الأحجار على رأي بليناس ، الجزء الثاني .