حسن الأمين

115

مستدركات أعيان الشيعة

« فقد وضح من هذا القول أن التدبير على القصد المستقيم هو الذي يخرج ما في قوى الأشياء - مما هو بالقوة إلى الفعل - فيما يخرج هو بطبعه ، وفيما لا يخرج حتى يخرج » . « لأن في قوى الأشياء ما يخرج بغير تدبير مدبر ، ولكن الطبيعة علة خروج الطلع وخروج الرياحين البرية التي لا تعالج بالسقي واللقاح وأمثال ذلك ، فتخرج من القوة إلى الفعل بأنفسها وفي زمانها - وأما غير ذلك مما علته إخراج التدبير للأشياء ( فهو محتاج إلى تدبير طريقة لإخراجه ) » ( 1 ) . في هذا النص الدقيق الواضح نجد فلسفة الكيمياء كلها عند ابن حيان ، وأساسها هو أن الكيموي يحذو حذو الطبيعة في تكوينها للأشياء ، وكل الفرق هو أن الطبيعة تعمل من تلقاء نفسها ، وأما الكيموي فيعمل عمله بتجربة مدبرة ، لكن كل ما تؤديه الطبيعة من عمليات تحويل الأشياء بعضها إلى بعض ، هو في مستطاع الكيموي أن يؤديه ، غير أن الأمر يحتاج من الكيموي إلى تبصر وحذر ، فقد لا يكون التحويل ممكنا بضربة واحدة ، بل يتطلب خطوات متدرجة تنتهي آخر الأمر إلى النتيجة المطلوبة ، ولو أتقن العالم دراسة موضوعه وما يحتاج إليه من خطوات في عملية تحويله ، لأمكنه لا أن يحاكي الطبيعة في فعلها فقط ، بل أن يعمل ما تعمله الطبيعة في وقت أقصر ، إذ قد يتطلب تكوين الذهب في حضن الطبيعة آلاف السنين ، لكن الكيموي في مستطاعه أن يعمل العملية نفسها في فترة وجيزة - ويلخص جابر في فلسفته الكيموية هذه في جملة واحدة ترد في « كتاب السبعين » يقول فيها : « في قوة الإنسان أن يعمل كعمل الطبيعة » ( 2 ) لا فرق في ذلك بين حجر ونبات وحيوان وإنسان ، وسنذكر تفصيل ذلك في حينه . فلعلنا بعد هذا نفهم مراد جابر عندما عرف الكيمياء بقوله : « حد الكيمياء إظهار ليس في أيس . . . إذ » ليس « عندهم عدم و » أيس « عندهم وجود - وكذلك الكيمياء إنما هي إعطاء الأجسام أصباغا لم تكن لها » ( 3 ) ، ولئن كنا نالف في كلامنا اليوم أن نسمع وأن نستخدم كلمة « ليس » لندل بها لي نفي شيء عن شيء ، كان نقول - مثلا - ليس القمر مضيئا ، فلسنا نالف مقابلتها الدالة على إيجاب ، وهي كلمة « أيس » التي تشير إلى وجود شيء وجودا فعليا ، فضوء القمر حين يضيء « أيس » ، وهذا القلم في يدي الآن « أيس » وهكذا ، ومهمة الكيمياء هي أن توجد في الشيء صفة ليست قائمة فيه بالفعل ( وإن تكن طبعا قائمة فيه بالقوة وإلا لما أمكن إخراجها من العدم ) . الإكسير : قلنا أنه كما جاز للطبيعة أن تحول الأشياء بعضها إلى بعض ، فتتحول الأرض والماء نباتا ، ويتحول النبات في النحل شمعا وعسلا ، ويتحول الرصاص في جوف الأرض ذهبا وهكذا ، فكذلك يمكن لعالم الكيمياء أن يحاكى الطبيعة في صنيعها بتجارب يصطنعها فيؤدي بها نفس الذي تؤديه الطبيعة ، ولكنه يؤديه في مدة أقصر ، فإذا اهتدى العالم إلى الوسيلة التي يخرج بها شيئا من شيء كانت تلك الوسيلة هي الإكسير . فالأمر في معالجة شيء ما معالجة ترده إلى ما يراد رده إليه ، هو كأمر في معالجة المريض ، يركب له الدواء الذي يرده من حالة المرض إلى حالة الصحة ، بإضافة ما ينقصه أو بحذف ما قد يزيد عليه ، وبهذه الإضافة أو الحذف نحصل على التوازن لما كان قد اختل توازنه ، وبديهي أن يكون للدواء صفة مضادة للصفة التي جاوزت حدها نقصا أو زيادة ، فهو الذي يزيد ما قد نقص وينقص ما قد زاد ، وهكذا يفعل عالم الكيمياء إزاء المعدن الذي يريد تحويله : يعطيه « الدواء » الذي يكسبه توازنا من شانه أن يجعل منه معدنا آخر ، هو المعدن المقصود ، « فالدواء » في هذه الحالة هو ما يسمى بالإكسير . وواضح أن مثل هذا التحويل من حالة قائمة إلى حالة أخرى مطلوبة ، يتوقف على علم العالم علما كاملا بعناصر التركيب في كلتا الحالتين ، فيعلم مم يتركب الشيء المراد تحويله وكيف يتركب ، كما يعلم مم يتركب الشيء المراد الحصول عليه وكيف يتركب ، وهذه هو ما يسمى عند جابر بالموازين - وسنتحدث عنها في فقرة تالية - وإن نظرية جابر في الإكسير وفي الميزان لهي موضع الأصالة الحقيقية التي تنسب إليه في علم الكيمياء ( 4 ) . وهو يشتق الإكسير الذي يستخدمه في عملياته الكيموية من أنواع الكائنات الثلاثة مفردة ومجتمعة ، فتراه يقول : إن ثمة سبعة أنواع من الإكسير : 1 - إكسير يشتق من المعادن ، 2 - إكسير يشتق من الحيوان ، 3 - إكسير يشتق من النبات ، 4 - إكسير يشتق من امتزاج المواد الحيوانية والنباتية معا ، 5 - إكسير يشتق من امتزاج المواد المعدنية والنباتية معا ، 6 - إكسير يشتق من امتزاج المواد المعدنية والحيوانية معا ، 7 - إكسير يشتق من امتزاج المواد المعدنية والنباتية والحيوانية معا ( 5 ) . ونكتفي في هذه الفقرة بذكر وجه واحد من أوجه التحويل الذي يقوم به الكيموي ، وهو تحويل المعادن بعضها إلى بعض ، فعلى أي أساس يكون ذلك ، وكيف ؟ . المعادن الرئيسية سبعة : الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزيبق والأسرب ( 6 ) ، وهي التي تكون « قانون الصنعة » - كما يقول جابر ، أي أن عليها تتوقف قوانين علم الكيمياء ، غير أن هذه المعادن السبعة نفسها قد تكونت في جوف الأرض من معدنين أساسيين ، هما الكبريت والزيبق ، فهذان المعدنان إذ يمتزجان بنسب مختلفة يتكون منهما بقية المعادن المذكورة ، فكأنما هذه المعادن لا تتباين إلا في الكيفيات العرضية التي طرأت نتيجة للنسبة التي مزج بها الكبريت والزيبق في باطن الأرض ، على أن الكبريت والزيبق تتفاوت طبيعتاهما باختلاف تربة الأرض التي نشا فيها ، وباختلاف الكواكب

--> ( 1 ) نفس المرجع السابق ، ص 6 - 7 . ( 2 ) كتاب السبعين ، مختارات كراوس ، ص 463 . ( 3 ) الجزء الثاني من كتاب الأحجار على رأي بليناس ، مختارات كراوس ، ص 140 - 141 . ( 4 ) Kraus , Paul , Jabir Ibn Hayyan : الجزء الثاني ، ص 3 . ( 5 ) الجزء الثالث من كتاب الأحجار على رأي بليناس . ( 6 ) كتاب الحاصل ، وفي مواضع أخرى كثيرة من كتبه الأخرى . ( والأسرب هو القصدير ) .