حسن الأمين
101
مستدركات أعيان الشيعة
الحروف كتركيب الطبائع في سائر الموجودات « ( 1 ) ويقول جابر أيضا : » كما أن النحويين يعالجون تصريف الكلمات فيردونها إلى أحرفها التي منها نشات ، فكذلك للفلاسفة تصريف خاص بهم « ( 2 ) إذ هم يردون الأشياء إلى بسائطها ، فعلم النحو وعلم الطبيعة يتبعان منهجا علميا واحدا . ولا أحسبني أسرف في التأويل والتخريج إذا قلت أن هذا المنهج بعينه هو الطابع المميز لإحدى مدارس المنطق المعاصرة - وهي مدرسة برتراند رسل المعروفة باسم « الذرية المنطقية » وخلاصتها أن العالم الطبيعي من ناحية يقابله عالم اللغة من ناحية أخرى ، وأنه إذا كان علم الطبيعة الذري قد فتت الأشياء وحللها إلى ذرات ، كل ذرة منها مكونة من كهارب ، فعلم المنطق الذري هو الذي يقابله في عالم اللغة ، وأذن فالطريق الصواب هو أن يفتت اللغة ويحللها إلى ذرات بسيطة ، يستحيل تحليلها إلى ما هو أبسط منها على الرغم من أن كل ذرة منها قد تكون مؤلفة من أكثر من مقوم واحد ، وهذه الذرات المنطقية هي ما يسمونه بالقضايا البسيطة أو القضايا الذرية - لكن حذار أن نفهم كلمة « الذرة » وكلمة « الذري » هنا بالمعنى المادي وإلا لفاتنا فهم الطبيعة والمنطق المعاصرين ، كما يفوتنا أيضا فهم جابر على حد سواء ، إنما الذرة والذرية هنا معناهما لا مادي ، فالذرة في علم الطبيعة الحديث قوامها طاقة ، وكذلك القضايا الذرية في منطق برتراند رسل لا يوصل إليها إلا بالتجريد فهي لا ترد في الحديث والكتابة أبدا ، لأن كل ما يرد في الحديث والكتابة قضايا مركبة يمكن تحليلها بالعقل وحده إلى البسائط التي منها تتكون ، وكذلك الأمر في فلسفة جابر بن حيان ، فهو ذري بالمعنى الحديث لكلمة الذرة وكلمة الذرية ، لا بمعنى الذرة عند ديمقراطيس مثلا ، وهو المعنى الذي يجعل من الذرة جسما ذا حيز وأبعاد ، فيكفي أن تتذكر أن جابرا يحل الطبيعة إلى كيفيات أربع : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، وأن هذه الكيفيات أمور مجردة لا وجود للواحدة منها في الطبيعة وجودا مفردا ، أقول أنه يكفي ذلك لتعلم أنه حين يرد الطبيعة إلى بسائطها فلا يرتد إلى بسائط مادية بالمعنى الضيق لهذه الكلمة ، وكذلك حين يحلل اللغة التي هي القسيم المقابل للطبيعة ، فإنما يحللها إلى أحرف ، والحرف الواحد - كما أسلفنا - مستحيل على النطق وهو مفرد وحده ، ولا وجود له من الناحية اللغوية ، إلا على سبيل التجريد العقلي . فهنالك أشياء في عالم الطبيعة ، ثم تصور لها ولعناصرها في العقل ، ثم النطق تعبيرا عما قد تصوره العقل ، ثم كتابة هذا الذي نطقنا به ، أربع خطوات في مرحلة واحدة ، أو أربع حلقات في سلسلة واحدة ، كل حلقة منها تعيد مضمون الحلقة السابقة في صورة أخرى ، لكن جوهر المضمون واحد ، وأذن فمسافة الخلف ليست بعيدة بين الشيء الخارجي في طبيعته ، بين الكلمة المنطوقة أو الكلمة المكتوبة الدالة على ذلك الشيء في طبيعتها ، يقول جابر : « إن الأشياء كلها تقال على أربعة أوجه : الأول منها أعيان الأمور وذواتها وحقائقها ، كالحرارة في ذاتها والبرودة في ذاتها ، وإن كانا غير موجودين لنا ، ثم تصور ذلك بالعقل . . . ثم النطق به . . . وذلك [ يتقطيع ] يتقطع الحروف . . . ثم كتابتها » ( 3 ) ، ويقول أيضا في هذا المعنى نفسه : قالت الفلاسفة بان الكتابة دالة على ما في اللفظ المنطوق ، واللفظ دال على ما في الفكر ، وما في الفكر دال على ماهية الأشياء ( 4 ) . ميزان الحروف : لو بلغت اللغة حد كمالها المنطقي - هكذا قال جابر بن حيان ، وهكذا يقول رودلف كارناب أمام الوضعية المنطقية اليوم ( 5 ) - لجاءت مفرداتها مقابلة تمام المقابلة لما في الطبيعة من أشياء بما لها من صفات وما بينها من علاقات ، بحيث لا تدل الكلمة الواحدة إلا على مقابل طبيعي واحد ، كما أنه لا يقابل الشيء الواحد في الطبيعة إلا كلمة واحدة في اللغة ، فعندئذ لا نجد كلمة تدل على أكثر من مسمى واحد ، كما لا تجد شيئا واحدا يشار إليه بإحدى كلمتين على حد سواء ، في مثل هذه اللغة الكاملة منطقيا لا يكون ازدواج معنى ولا يكون غموض . وفي هذا نفسه يقول جابر بن حيان : « إن المسمى للأشياء بهذه الأسماء قد ترك أشياء كثيرة بلا أسماء البتة ، وسمى أشياء كثيرة باسم واحد ، وسمى شيئا واحدا بأسماء كثيرة ، فقال في السيف : السيف والصمصام والباتر والحسام وأمثال ذلك ، وجعل في الأول كاسم العين دالا على معان كثيرة ، كالعين المبصرة وعين الماء وعين الشمس وأمثال ذلك » ( 6 ) . ويلاحظ جابر أن اللغة كما هي قائمة لا تجعل الأسماء وفاق المعاني وبقدر عددها ، إذ يزيد فيها مقدار المعاني على مقدار الأسماء زيادة كبيرة . وإن جابرا ليتصور الأمر على نحو ما يتصوره فلاسفة التحليل في عصرنا هذا ، إذ يشترط - لكي يكون للكلام معنى - أن يكون له مقابل في الطبيعة ، فهو يقول : « الأشياء كلها تنقسم قسمين : أما نطق وأما معنى ( أما كلام وأما مدلولاته ) والكلام الذي لا معنى تحته فلا فائدة فيه » ( 7 ) . بل أنه كذلك ليتفق مع فلاسفة التحليل المعاصرين في حقيقة بالغة الأهمية ، ألا وهي أن رجل الفكر العلمي والفلسفي لا يعنيه من اللغة إلا ما كان منها ذا قسيم مقابل في جانب الطبيعة الخارجية ، أعني أن يكون مخبرا بخبر ما عن شيء ما في العالم الخارجي ، وذلك لأن من اللغة تركيبات ينطق بها صاحبها لا لينبئ سامعه بنبأ عن أشياء الدنيا المشتركة بينهما ، بل ليعبر له عن حالة وجدانية تضطرب بها نفسه من داخل ، كان يتوجع أو يتمنى أو أن يأمر وينهى ، والحق أن رجال المنطق العقلي منذ نشا هذا المنطق لم يفتهم أن
--> ( 1 ) كتاب التصريف ، 95 ب - هذه الفكرة موجودة في التراث الفلسفي اليوناني ، فهي مشروحة باسهاب في محاورة ثيتالتوس ( فقرة 201 ب ، وفقرة 208 ه ) ففيها يرد القول بأنه لا يمكن النطق إلا بمقطع مؤلف من حرفين أو عدة حروف ، وأن الحروف المفردة لا تنطق ولا تعرف » فكما أن العناصر الأولى التي منها صنعنا وصنعت الأشياء كلها لا تكون معقولة وهي فرادى فكذلك الأمر في الكلمات « - وكذلك يشبه أرسطو حروف الكلمات بالعناصر الأولية في الطبيعة . ( ميتافيزيقا 1041 ب ) . ( 2 ) كتاب التصريف . ( 3 ) كتاب التصريف ، 140 ب وما بعدها . ( 4 ) كتاب الخمسين ، 134 أو ما بعدها . ( 5 ) ولد سنة 1891 ، وهو أستاذ بجامعة لوس أنجلس بأمريكا ، ومن أهم كتبه : - Philosophy and Logical Syntax . ( 6 ) كتاب السر المكنون ، 54 ب وما بعدها . ( 7 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 8 .