حسن الأمين
84
مستدركات أعيان الشيعة
وكان مبتلى بالبواسير ، إذ كان نهما شاربا للخمر كثير الرفث إلى النساء . روي أنه شكا يوما إلى طبيبه الفرنسي الخاص « تولوزان » بعض الانحراف في مزاجه ، وقال : الظاهر أنه بسبب التداخل في الطعام . فأجابه الطبيب : طعام صاحب الجلالة متواصل لا ينقطع فكيف يمكن أن يحدث فيه التداخل ! وفي سنة 1287 هسافر « ناصر الدين شاه » إلى بغداد لزيارة قبور الأئمة ع ، واستغرقت هذه الرحلة حوالي خمسة أشهر . وفي سنة 1290 هسافر إلى أوروبا وصحب معه جماعة من أبنائه وأعيان المملكة . وزار روسيا وألمانيا وبلجيكا وإنكلترا وفرنسا وسويسرا وإيطاليا والنمسا وتركيا . واستغرقت رحلته هذه حوالي خمسة أشهر . وكان قد صحب معه أيضا إحدى نسائه الأثيرات « أنيس الدولة » ولكنه أعادها إلى إيران من موسكو ، إذ أن رؤيتها متحجبة أمر مستهجن عند الأوروبيين ، ولا بد من تحجبها على عادة تلك الأيام . وقد نالت هذه المرأة مكانة عالية عند « ناصر الدين شاه » ، وأصبحت موضع الاهتمام وبلغت درجة سامية من الوجاهة والغنى ، إذ كانت عاقلة حسنة التدبير ذكية . وكانت لها حاشية وأمر ونهي ، وبلغت مكانتها إلى أن أصبحت رئيسة على نساء الشاه كلهن ، وأعطيت مقام « ملكة » . وهي بنت طحان من إحدى ضواحي طهران ، رآها « ناصر الدين شاه » يوما ، وهو خارج في موكب ملوكي ، فعشقها . وعقد عليها بعقد المتعة . وأراد أكثر من مرة أن يعقد عليها بعقد الزواج الدائم فكانت ترفض وتقول له إن الساعة التي مرت فيها معدودة من نساء الشاه المستمتع بهن هي ساعة سعد ويمن ولا أريد الخروج من هذا الزواج الذي أسعدني . وكان الشاه يستشيرها أحيانا في بعض شؤون الحكم . وفي رحلة « ناصر الدين شاه » هذه إلى أوروبا كان يتزين ببعض الجواهر كماسة « درياي نور » ( بحر النور ) وغيرها . وحين كان في ألمانيا سال يوما أمبراطورها « غليوم الأول » عن جواهره ، فلم يجبه بشيء . ثم شهدا ، الشاه والإمبراطور ، عرضا عسكريا فالتفت الإمبراطور إلى الشاه ، وهو يشير إلى جنوده ، قائلا : هذه هي جواهري ! وفي سنة 1295 هقام « ناصر الدين شاه » برحلة أخرى إلى أوروبا استغرقت حوالي أربعة أشهر . ولما مر بالقفقاس وإيروان شاهد عسكر « القوزاق » الروسي فأعجبه لباسهم العسكري وتنظيمهم . فلما عاد إلى إيران أمر بتشكيل فرقة على مثالهم يتولى تدريبها ضباط روسيون وتكون حرسه الخاص . وكانت له غاية أخرى أيضا هي إرضاء الروس بجعل هذا العمل امتيازا لهم في إيران . ولكن ذلك جر على إيران ، فيما بعد ، متاعب كثيرة . واستخدم أيضا أربعة عشر ضابطا نمسويا لتدريب الجيش الإيراني . واستدعى الضابط الإيطالي « الكونت دومونت فورته » إلى إيران ليقوم بتشكيل فرقة الشرطة وفرقة الدرك وتأسيس البلدية . وقد ظل هذا الضابط يتولى رئاسة هذه المؤسسات أكثر من اثنتي عشرة سنة . وكان أيضا من نتائج رحلته الثانية هذه إلى أوروبا إدخال الإنارة الكهربائية والإنارة الغازية إلى إيران . وفي عهد « ناصر الدين شاه » مد خط حديدي للقطار بين طهران وبلدة « الري » . حيث ضريح « عبد العظيم الحسني » ( رض ) . قامت بمدة شركة بلجيكية ، بعد تمنع وتعلل بان في هذا العمل صعوبات كثيرة ، مع أن المسافة بين البلدين لا تتجاوز بضعة كيلو مترات ، وبعد أن فرضت بضعة شروط منها أن يتعهد الإيرانيون بان لا يتجاوزوا بالخط إلى أبعد من « الري » ! وفي سنة 1305 ه ، في عهد « ناصر الدين شاه » ، انتهى مد هذا الخط وجرى عليه القطار . ولكن لابست إجراءه حادثة مهمة في أوائل سنة 1306 هففي يوم ذكرى وفاة الرسول ( ص ) وشهادة الإمام الحسن ع ، وهو يوم تعطيل عام ، كانت جموع غفيرة تؤم ضريح « عبد العظيم الحسني » ( رض ) للزيارة ، والقطار مكتظ بالركاب . واتفق أن سارع أحد الركاب إلى النزول منه قبيل توقفه في المحطة فعلقت عباءته بعجلة القطار فانجر إلى تحت العجلة وقتل . فهاج الناس وهجموا على المحطة يريدون قتل العاملين في القطار . وأطلق قاطع التذاكر في القطار الرصاص على الأهالي فقتل واحدا منهم . فزاد ذلك في هياج المهاجمين ، وفر موظفو القطار هاربين وصب المهاجمون نفطا على القطار وأشعلوا فيه النار . وسبب هذا الحادث للحكومة القائمة كثيرا من المشاكل في مسئوليتها أمام الشركة البلجيكية . وفي سنة 1306 هقام « ناصر الدين شاه » برحلة ثالثة إلى أوروبا ، استغرقت ستة شهور وبعض الشهر . بدأها بزيارة روسيا بدعوة من أمبراطورها جاءته بناء على طلب منه . وصحب معه ثنتين من زوجاته هما « أنيس الدولة » و « أمينة أقدس » وإحدى بناته وهي « توران آغا فخر الدولة » . ولكنه أعادهن إلى طهران من الحدود . وزار ، بعد روسيا ، بولونيا وألمانيا والنمسا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وإنكلترا . وعاد « ناصر الدين شاه » من هذه الرحلة إلى إيران سنة 1307 ه ، وبعد عودته أرسل بعثة طلابية إلى أوروبا للدراسة فيها على نفقة الدولة . وفي هذه الرحلة الثالثة أعطى « ناصر الدين شاه » شركة إنكليزية امتياز انحصار التبغ والتنباك ( الريجي ) . ذلك الامتياز الذي يعد بما ترتب عليه من أحداث ، من الوقائع العظيمة في تاريخ إيران . فقد ثار الناس ثورة عارمة دامية لا سيما في طهران وتبريز استنكارا لما فيه من إجحاف بحق إيران . وأصدر المرجع الديني الشيعي الأكبر « الميرزا حسن الشيرازي » يومئذ من مقره في مدينة « سامراء » العراقية فتوى بتحريم تدخين التبغ والتنباك في إيران ، وأطاع الجمهور ورجال الدين هذه الفتوى وامتنعوا عن استعمالهما ، حتى اضطرت الحكومة الإيرانية إلى إلغاء هذا الامتياز سنة 1309 ( 1892 م ) وتعد هذه الثورة أول ثورة شعبية على أعمال الخيانة التي دأبت حكومتهم على ارتكابها . واغتنم الروس الفرصة فهبوا أيضا يحرضون على الثورة بكل ما لديهم من الوسائل ، إذ كان إعطاء هذا الامتياز لمنافسيهم الإنكليز صدمة شديدة لهم . ولكن إلغاءه كلف إيران دفع مبلغ ضخم من المال تعويضا للشركة صاحبة الامتياز .