حسن الأمين
59
مستدركات أعيان الشيعة
يريد التعجيل بحسم هذه الحرب ، إذ كانت قوته قد ضعفت بتخريب مدافعه وكان يخشى أن يعود « إبراهيم خليل خان » بنجدة من « داغستان » . وكان أهل المدينة قد ضعضع غياب قائدهم الشجاع المرجو معنوياتهم وأقل من حماستهم وباتوا في حيرة من أمرهم . وكانوا ميالين إلى التسليم لولا خوفهم من غدر « آقا محمد خان » بهم . فقد سبق له أن غدر بأهل « تفليس » ، بعد أن سلموها له وأعلنوها مدينة مفتوحة . ولكنه ، مع ذلك أوقع بها تلك الغارة الفظيعة ، مخالفا بذلك السنن الحربية المتبعة من قديم الزمان عند كل المحاربين . وسبق له أن فعل ما فعل بأهالي « كرمان » . مفاوضة آقا محمد خان ثم قر رأيهم على إرسال مجتهد المدينة المرجع الديني « حاجي بابك » إلى « آقا محمد خان » لمفاوضته في موضوع التسليم بشرط الحصول منه على ما يضمن الوفاء بوعده بتامين المدينة . وقبل المجتهد القيام بهذه المهمة الصعبة وكتب رسالة إلى « آقا محمد خان » ألقيت إلى معسكره من وراء السور يطلب فيها الاذن له بالحضور إليه . فاذن له . وأدلي بالمجتهد في صندوق مكشوف من أعلى السور إلى خارجة . ومضوا به إلى فسطاط « آقا محمد خان قاجار » . كان « آقا محمد خان » على جبروته وطغيانه ، مسلما راسخ العقيدة ، مواظبا على الصلاة لم يتفق أن تركها مرة في حياته . وكان يحترم رجال الدين احتراما حقيقيا لا احترام محاباة وتزلف إلى العامة . وكان « حاجي بابك » امرأ فطنا لبقا . وجرى بين الرجلين حوار طويل تحمل فيه « حاجي بابك » مشقة عظيمة في اختيار الألفاظ وتنسيق المطالب التي هي موضوع الحديث تنسيقا منطقيا معقولا ، حتى ألان قلب ذلك الطاغية فاذعن له وقبل بإعطاء ضمانة بالوفاء بوعد الأمان . ولكنه اشترط أن يدفع إليه أهالي « شوشي » بغرامة حربية باهظة هي خمسمائة ألف أشرفي ذهبي ( نوع من النقد ) . ولكن المجتهد ما زال به حتى أقنعه بتخفيض المبلغ إلى مائتي ألف أشرفي . أما الضمانة التي أعطاها « آقا محمد خان » لأهالي « شوشي » فهي أنه أحضر نسخة من القرآن وختم على ظهرها بخاتمه الخاص وسلمها إلى « حاجي بابك » ليحملها إلى أهالي « شوشي » . فتح شوشي وعاد « حاجي بابك » إلى المدينة . وأرى زعماءها وقوادها العسكريين القرآن وعلى ظهره خاتم « آقا محمد خان » فاطمأنوا إلى صدقه . وخرجوا إلى بوابات المدينة ، وفي مقدمتهم « حاجي بابك » ففتحوها ووقفوا يستقبلون « آقا محمد خان » ، وقد جمعوا كل أسلحتهم وجعلوها كومة في مكان واحد ودخل « آقا محمد خان » إلى المدينة ، وعرضوا على أنظاره الأسلحة إيذانا بأنهم يسلمونها إليه . ونحرت الذبائح عند قدميه ، وساروا به إلى منزل « إبراهيم خان » فأحلوه فيه . وأمر « آقا محمد خان » بإقامة حامية من جنده داخل المدينة . ووفى بوعده بالأمان ، فأمر ببقاء سائر الجنود في خارج المدينة حيث كانوا لا يسمح لهم بدخول المدينة ، على أن يدخلوها بعد ذلك بالتدريج . وأمر بان كل جندي وكل ضابط يريد أن يشتري شيئا لنفسه عليه أن يؤدي ثمنه إلى البائع . واتفق في أول يوم من دخوله أن اشترى اثنان من جنوده شيئا ولم يؤديا الثمن إلى البائع . فلما علم « آقا محمد خان » بذلك أوقع بالجنديين عقوبة شديدة . حرب شيروان « شيروان » إقليم يقع في شرقي جبال القفقاس على ساحل بحر الخزر . واشتهر على ألسنة الناس من أزمنة قديمة أن هذا الإقليم فيه « عين الحياة » ، وفيه الصخرة التي أوى إليها موسى وغلامه وذكرت في القرآن الكريم في سورة الكهف في آية : * ( قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة ) * . « الآية » . وقال بعض الجغرافيين المسلمين القدماء إن الإسكندر المقدوني ذهب إلى « شيروان » ليشرب من « عين الحياة » ويحصل على الخلود في الحياة . وذكر آخرون أن الصخرة التي أوى إليها موسى وغلامه تقع في « دربند » في شمال « شيروان » على شاطئ البحر . وعاصمة إقليم « شيروان » مدينة « شماخي » . ومن مدنها الشهيرة مرفا « دربند » ويسميها العرب « باب الأبواب » . واختلف المؤرخون في تاريخ غزو « آقا محمد خان » لإقليم « شيروان » . فمنهم من قال إنه كان قبل احتلال « شوشي » ومنهم من قال بعده . وجعل « آقا محمد خان » على قيادة جيشه « محمد حسين قاجار » وأمره بالمسير إلى « شماخي » عاصمة « شيروان » . وظل هو في « شوشي » لمرض أصابه . فسار إليها وحاصرها وضربها بالمدافع . وبعد أيام برئ آقا محمد خان من علته فتبع الجيش الغازي إلى « شماخي » . وتمكنت مدافعه من خرق سور « شماخي » ودخل جيشه إليها ، بعد مقاومة شديدة وفر حاكمها واستولى « آقا محمد خان » عليها . ومع أن « شماخي » قاومت وفتحت بالقوة ، فان « آقا محمد خان » حظر ، بخلاف عادته ، على جنده استباحة شيء منها وحقن دماء أبنائها وحفظ عليهم أموالهم ، بل إنه أعفاهم من الغرامة أيضا . وهو يدل على انقلاب كبير في أخلاقه . وقد يكون للبيانات المنطقية التي سمعها من المرجع الديني « حاجي بابك » في « شوشي » أثر في ذلك . هذا على فرض أن « شوشي » فتحت قبل « شماخي » . وإلا ظل هذا الانقلاب لا تخمن له علة ! إلا أن تكون الأيام والتجارب والممارسات قد غيرت وبدلت من نزعاته وعوامله النفسانية . وقد ذكره ضباط جيشه بان جنوده يتوقعون ، كما هي العادة في كل الحروب ، أن يعوضوا ما تحملوه من مشقات وما تعرضوا له من مخاطرات بما يغنمونه من البلد المغلوب ، وأنهم اليوم يشعرون بالخيبة والخسارة . وعندئذ أمر « آقا محمد خان » بالانعام على الجنود من ماله الخاص . وكان أمرا تلقاه الجنود بالتعجب ، إذ اشتهر عن « آقا محمد خان » أنه بخيل مقتر . والواقع أنه لم يكن بخيلا ولا مقترا ، بل كان مقتصدا حسن التدبير . وفي أواخر عمره كان ، على شدة ولعه بالمال وحرصه على جمعه ، يأخذ المكلفين باللين والتساهل في استيفاء الضرائب منهم . وحين وقوع النكبات الطبيعية أو غيرها في المزروعات كان يعفي أصحابها من تأدية الضرائب . ولم يتفق مرة أن أجبر أحدا من المتمولين على تأدية شيء من ماله إلى بيت المال إذا احتاج إلى مخصصات لأمر من أمور الدولة . واغتصاب المال من المتمولين قلما