حسن الأمين
56
مستدركات أعيان الشيعة
في حوزته . ولذلك عزم أن يذهب ، بعد حفلة التتويج ، إلى خراسان ليصادر جواهر « نادر شاه أفشار » من حفيده « شاه رخ شاه » . ولكنه تظاهر بان سبب هذا السفر هو زيارة مقام الامام الثامن ( ع ) . وفي أثناء ذلك بلغه خبر بان الأزابكة قد أغاروا على شمال خراسان ووصلوا إلى « مرو » ، يقتلون الناس وينهبون الأموال . وفي شهر ذي القعدة سنة 1210 ه . سار بجيش من طهران قاصدا إلى خراسان . فلما وصل إلى « شاهرود » انطلق منها إلى صحراء « أسترآباد » مسقط رأسه ، وحيث تقيم طوائف التركمان . وهناك قام بتحقيق حتى عرف من كان الذين قاموا بتلك الغارة . وكانت عدتهم اثنين وستين ومائة تركماني . فقبض عليهم وأمر بان يدفنوا أحياء في الجص في جانب الطريق المؤدية إلى خراسان حيث قطعوا الطريق على المسافرين وقتلوهم ونهبوا أموالهم . فدفنوا كما أمر في نفس المكان الذي ارتكبوا فيه جنايتهم . وبعد مقتل « آقا محمد خان قاجار » ظل المسافرون إلى خراسان إلى سنوات كثيرة إذا وصلوا إلى ذلك المكان بدت لهم في جانب من الجادة اثنتان وستون ومائة دكة بيضاء ، يعرفون أنها قبور أولئك الجماعة من قطاع الطرق . ولكن هذا العقاب الرهيب لم يقطع تعديات التركمان على المسافرين إلى خراسان . فكانوا كلما تبينوا في الحكومة المركزية ضعفا عاودوا غاراتهم على المسافرين ، فيضطر الطهرانيون الذين يريدون زيارة مقام الامام في مشهد إلى سلوك الطريق إليها من أرض روسيا . وكان « آقا محمد خان » بعد عودته من « تفليس » ، قد سيطر على كل إيران ، ما عدا خراسان - وكانت خراسان يومئذ تشمل قسما مما هو اليوم من أرض تركستان وأفغانستان - وعمم على كل حكام الولايات بلاغا بالمناداة به ملكا على إيران . وكان في جملة من أبلغهم ذلك « شاه رخ شاه أفشار » . وقد عمم الحكام هذا البلاغ على أهالي ولاياتهم وبادروا إلى الاعتراف بتملكه . ولكن « شاه رخ شاه » كتم هذا البلاغ عن أهالي مشهد فظلوا على غير علم بان « آقا محمد خان قاجار » قد أصبح ملكا على إيران ، بل إن بعض المشهديين لم يكن قد سمع باسم « آقا محمد خان » بعد ، وذلك بسبب بعد المسافات وقصور المواصلات وقلتها يومئذ . وفي أثناء سير « آقا محمد خان » إلى مشهد كان الحكام والرؤساء من مختلف الولايات والأقاليم يتبادرون إلى الالتحاق به وإمداده بالجند والمال . ويخرجون إلى استقباله إلى مسافات بعيدة قبل وصوله إلى بلدانهم التي تقع على طريقه . فلما قارب مشهد أشارت حاشية « شاه رخ شاه » عليه بان يخرج إلى استقباله فرفض محتجا بعماه . ولكن رجاله أفهموه بان « آقا محمد خان » سيعد تخلفه عن الخروج إلى استقباله إهانة كبرى له ، وهو رجل قاس لا يرحم ، وقد يوقع به أذى عظيما لذلك ، فقبل بالخروج . وأشاروا عليه بان يحمل إليه معه هدية فرفض . وطلب من المرجع الديني الأول في مشهد « الحاج ميرزا مهدي » أن يصحبه ، ففعل . وخرج « شاه رخ شاه » إلى استقبال « آقا محمد خان » على بعد فرسخين من مشهد . فلما دخل عليه عاتبه على تأخره في الخروج إلى استقباله ، فاعتذر « شاه رخ شاه » بشيخوخته وعماه ، وتمثل ببيتين من الشعر أرضيا غرور « آقا محمد خان » . ثم دخل « آقا محمد خان » إلى مشهد وزار مقام الامام الثامن ( ع ) . ودعاه « شاه رخ شاه » إلى النزول في مسكنه فرفض واتخذ لنفسه منزلا خاصا . وبعد ثلاثة أيام بعث برسالة إلى « شاه رخ شاه » مكتوبة بلهجة لطيفة يطلب فيها تسليم جواهر « نادر شاه » إليه بما هي بعض ممتلكات المملكة وليست ملكا خاصا لأحد . وأوصى حامل الرسالة بان يسلمها إلى « شاه رخ شاه » بمظهر الاحترام وأن لا يصر عليه بتسليم الجواهر إليه . تعذيب شاه رخ شاه وأجاب « شاه رخ شاه » الرسول بأنه حاضر لبذل حياته في سبيل الملك بطيبة خاطر ، فكيف يبخل عليه بالجواهر . ولكنه يلتمس أن يأذن له بالحضور عنده ليوضح له هذا الأمر مشافهة . وأجابه « آقا محمد خان » إلى طلبه وأحضره إليه . ولكنه أحاطه بجماعة من رجاله وأمرهم . بحجزه إذا أراد الفرار . وروى « شاه رخ شاه » له تفاصيل إغارة رؤساء عسكر « نادر شاه » على أمواله بعد مقتله ، وأنكر أن يكون لديه شيء منها . فأجابه « آقا محمد خان » بأنه يمهله ، مراعاة لشيخوخته ، مدة يومين لتسليم جواهر نادر إليه ، وإلا فلا لوم عليه إن هو عامله على نحو آخر ! ثم أذن له بالانصراف فعاد إلى مسكنه في القلعة ، ولكن رجال « آقا محمد خان » ظلوا قائمين على مراقبته . وأرسل « شاه رخ شاه » إلى المرجع الديني « الحاج ميرزا مهدي » أن يشفع له عند « آقا محمد خان » ، إذ كان يبدي احتراما لرجال الدين . ولكن « آقا محمد خان » لم يشفعه . وأصر على القول بان « شاه رخ شاه » كاذب في ادعائه . وروى بعض المؤرخين أن « آقا محمد خان » وقع نظره في أثناء الحديث على خاتم من الزمرد في إصبع مجتهد مشهد المرجع ، فطلب منه أن يريه إياه فنزعه من إصبعه وناوله إياه ، فنظر « آقا محمد خان » إلى زمرد الخاتم وقال : زمردة جميلة ! وكان يتوقع أن يجيبه المجتهد ، كما هو مقتضى العادة المتبعة ، بقوله : هو هدية مني إليك . ولكن المجتهد لم يقل شيئا إذ كان هذا الخاتم عزيزا عليه . فما كان من « آقا محمد خان » إلا تناول آلة خاصة مما يستعمله الصاغة في صناعتهم فاقتلع بها حجر الخاتم ثم أعاد إليه الخاتم خاليا وقال له : أنت رجل دين روحاني لا يليق بك التختم بالزمرد . والعقيق أليق بك . عندئذ آيس « الحاج ميرزا مهدي » فاستأذن وانصرف إلى « شاه رخ شاه » فأشار عليه أن لا يعاند « آقا محمد خان » ، وأن كان لديه شيء من جواهر « نادر شاه » فليدفعه إليه ليكف شره عنه . وبعد انقضاء مهلة اليومين انتقل « آقا محمد خان » من مسكنه إلى قلعة . مشهد . وقيل إنه أمر ، بعد انتقاله ، بالبحث عن قبر « نادر شاه » ، إذ كان مكانه مجهولا . والذين يعرفونه لا يبوحون به خوفا من أن ينبشه أعداؤه . ( 1 ) ولكنهم بحثوا كثيرا فلم يهتدوا إليه . والظاهر أنه كان يريد نبش القبر وأن يفعل بعظام « نادر شاه » ما فعله بعظام « كريم خان زند » . ولما استقر « آقا محمد خان قاجار » في مسكنه في قلعة مشهد أمر بوضع
--> ( 1 ) يقول « جان غوره » الكاتب الفرنسي مؤلف كتاب « الخصي المتوج » أن مكان قبر « نادر شاه » ظل مجهولا لا يبوح به العارفون به إلى زمن « ناصر الدين شاه » إذ أظهروه وقد أمنوا عليه من النبش .