حسن الأمين
50
مستدركات أعيان الشيعة
بالمسالمة والصبر وتجنب الشغب فلم يخطر لهم على بال أن يخرجوا على حاكمهم ثائرين عليه ، وإن يكن مؤرخو العهد القاجاري الإيرانيون قد سوغوا الفظائع الرهيبة التي أوقعها « آقا محمد خان » بالكرمانيين ، بعد احتلاله « كرمان » ، بأنها كانت عقوبة لهم على أنهم ثاروا على حاكمه . لقد حدثت حقا ثورة في « كرمان » على حاكمها « مرتضى قلي خان » وحاصر الثائرون هذا الحاكم في قلعة المدينة . ولكن لم يكن الكرمانيون هم الذين قاموا بهذه الثورة ، بل قام بها رجال « الحاج إبراهيم كلانتر » الشيرازي . بتدبير وإيعاز منه ، لأنه كان يريد نصب أحد أصدقائه حاكما على « كرمان » بدلا من الحاكم المنصوب . وحين اقتنع « لطف علي خان زند » برغبة أهالي « كرمان » في حكمه ، وكان الواسطة بينه وبينهم « جهانجير خان » السيستاني ، وأيقن بمساعدة « جهانجير خان » له عزم على السير إلى « كرمان » فسار إليها واحتل المدينة في سنة 1208 هوأعلن أكثر حكام الولاية بتاييدهم له ، ونودي به ملكا على إيران . وكان « آقا محمد خان » يومئذ عازما على غزو خراسان . فلما بلغه نبا احتلال « لطف علي خان زند » لكرمان والمناداة به ملكا انصرف عن غزو خراسان وبعث ابن أخيه « خان بابا جهان باني » بخمسة آلاف فارس إلى « كرمان » . وفي الرابع من شهر شوال من تلك السنة ، خرج « آقا محمد خان » من طهران على أثره بجيش قيل إن عدته كانت خمسين ألفا ومائة ألف جندي وازدادوا عشرة آلاف جندي حين وصل بهم إلى فارس . ولكنه رقم مبالغ فيه بلا شك ، بالقياس إلى ما يلزم لهذا الجمع الغفير من الجند من مئونة وعلوفة وسلاح وإمكانيات ذلك الزمان . فلما وصل « آقا محمد خان » إلى « كرمان » ضرب عليها الحصار في سنة 1208 هأو في شهر المحرم سنة 1209 ه . وكان ل « لطف علي خان زند » أنصار أقوياء في جميع أنحاء ولاية « كرمان » . ولكنه أعجل عن جمع عساكرهم في جيش موحد إذ دهمته الحوادث فلم يجد متسعا من الوقت لجمعهم . فكان « آقا محمد خان » يحاصره في « كرمان » منقطعا عن أنصاره في خارجها . و « خان باب جهان باني » يغزو أولئك الأنصار كلا في بلده بمفرده ، فيتغلب عليهم واحدا واحدا ويمعن فيهم قتلا ، ثم يقطع رؤوسهم ويرسل بها إلى « آقا محمد خان » . وقد بلغ ما جمع به إلى عمه من الرؤس المقطوعة مقدارا حمل « آقا محمد خان » على أن يكتب إليه أن حسبك ! كف عن إرسال الرؤس المقطوعة إلي ! ذكر « السير برسي سايكس » في كتابه عن تاريخ إيران أن عشرة أقاليم من تلك النواحي هب أمراؤها بألوف من عساكرهم إلى نصرة « لطف علي خان زند » . ولكنهم كانوا متفرقين متباعدين لم يتمكنوا من جمع أنفسهم في جيش موحد . فكانت عساكر « آقا محمد خان » تقصدهم وتقضي عليهم واحدا بعد آخر . وكانوا على أشد الولاء للخان الزندي ، وكثيرون منهم ثبتوا في مقاومة الخصي القاجاري لا يتراجعون حتى قتلوا عن آخرهم . محاصرة كرمان وفتحها قاسى « آقا محمد خان » في محاصرة كرمان مشقات كبيرة أفتقد فيها « المجنون الفازوكي » وشجاعته وخفته ورشاقته وبراعته في تسور الأسوار . وذكر ما فعله من ذلك يوم محاصرة طهران . ولكن الفازوكي العاشق المجنون المحارب كان يومئذ يعيش في ظلام دامس ، إذ كان « آقا محمد خان قاجار » قد أعماه قبل مدة ، متهما إياه ، بالحق أو بالباطل ، بالتسلل ليلا إلى غرفة نومه في قلعة طهران لقتله . فلما انطفأت باصرتاه عاد إلى مسقط رأسه « فازوك » في نواحي دماوند وأقام فيها إلى أن مات . ومن روائع الأحداث النادرة المثيل التي وقعت في هذا الحصار تطوع مائة من جند « لطف علي خان زند » لعمل انتحاري أقدموا عليه بمنتهى الرجولة والشجاعة فأفسدوا على « آقا محمد خان » خطة بذل في إنفاذها جهدا عظيما ، وحفظوا سور المدينة من الانخراق ودخول الجند القاجاري إليها . وذلك أن « آقا محمد خان » حفر نفقا من خارج السور لينتهي به إلى أسفل السور حيث يفرغ فيه البارود ثم يفجره فيحدث فجوة في السور يدخل منها إلى المدينة . وكان عملا شاقا مع ما اقتضاه من التكتم والحذر . ولكن « لطف علي خان زند » علم بالخطة فعزم على تفجير النفق قبل الوصول به إلى أساس السور . وهو عمل يقتضي اقتحام الجند القاجاري خارج السور . وكانت خطته أن ينزل بعض جنوده ليلا من أعلى السور على سلالم من الحبال تدلى في الخارج ، ومعهم أكياس من البارود وأسلحة ، فإذا وصلوا إلى الأرض رفعت السلالم ، ومضوا إلى النفق فصبوا فيه البارود ثم فجروه ، على حين يكون فريق آخر من رفاقهم في أعلى السور مصوبين بنادقهم نحو جيش العدو ، فإذا هجم أحد منه على رفاقهم الذين في الخارج رموه بالرصاص ليحموا رفاقهم . وبعد القيام بمهمة التفجير تدلى السلالم مرة أخرى ليعود عليها رفاقهم - إذا عادوا - إلى مواقعهم في داخل السور . وطلب « لطف علي خان زند » متطوعين لهذا العمل الفدائي فتقدم له مائة شاب . وفي ليلة التاسع عشر من شهر صفر سنة 1209 ه ، بناء على قول بعض المؤرخين ، قام هؤلاء الأبطال بهذه المهمة على أكمل وجه . أما الذين عادوا منهم فكانت عدتهم سبعة عشر جنديا فقط وقتل رفاقهم الآخرون وقتل أيضا كل الجنود القاجاريين الذين كانوا داخل النفق حين تفجيره . أما أسامي هؤلاء الأبطال الأفذاذ فقد أغفلها التاريخ سوى أن « غولد سميث » ذكر أن اسم قائدهم « صادق » ويعرف ب « كاكا صادق » ، وكان بين المفقودين ! فكيف يصح هذا الاغفال ؟ ! ألم يكن الأجدر بالمؤرخين أن يحفظوا أسماء هؤلاء العظماء لتبقى قرة عين ومناط افتخار لأعقابهم ؟ ! ولكن مؤرخي الشرق دأبوا على إغفال أسماء مثل هؤلاء الجنود الأبطال في ذكرهم للوقائع الحربية ، ونسبوا مفاخر كل الأعمال الحربية العظيمة إلى أصحاب المناصب العالية . طالت محاصرة « آقا محمد خان » لمدينة « كرمان » حوالي خمسة أشهر ( 1 ) ( من 17 ذي القعدة سنة 1208 هإلى غرة ربيع الثاني سنة 1209 ه ) . ووقع فيها الجوع ومرض [ النيفوس ] التيفوس وكثر الموت فيها جوعا ومرضا وانقطعت عنها المؤن والوقود ، وهي شديدة البرد والوقت يومئذ أوائل الشتاء . وقطع
--> ( 1 ) هذا التاريخ أخذناه من كتاب « شرح حال رجال إيران » تأليف « مهدي بامداد » .