حسن الأمين
44
مستدركات أعيان الشيعة
ومقدرته على طلب الرئاسة . في أذربيجان إلى ذلك اليوم ظلت أذربيجان خارج يد « آقا محمد خان » . وكانت ضرائبها تجبى إلى أمرائها المحليين . وبعد مقتل « جعفر قلي خان قاجار » باثني عشر يوما سار « آقا محمد خان » إلى أذربيجان لاخضاع أمرائها . وقبل مسيره أرسل ابن أخيه « خان بابا جهان باني » بجيش إلى أصفهان تحسبا من قيام « لطف علي خان زند » بهجوم عليها . ومن أجل أن يتمكن من السيطرة على أذربيجان كان عليه أن يبدأ بالسيطرة على إقليم « طالش » ورجاله الأشداء قبل أذربيجان . وكان أمراء هذا الإقليم قد توقفوا ، بعد مقتل « نادر شاه أفشار » ، عن إرسال الضرائب إلى الحكومة المركزية . فأرسل « آقا محمد خان » أحد رؤساء عسكره اسمه « سليمان خان قاجار » إلى « طالش » بجيش عدته خمسة آلاف جندي لتحصيل ما على ذلك الإقليم من ضرائب السنة الجارية والسنة الماضية . وسار هو إلى أذربيجان . وقبل وصول « سليمان خان قاجار » إلى « طالش » أرسل إلى حاكمها « مصطفى خان » الطالشي ينبئه بقدومه ، متوقعا أن يخرج الحاكم إلى استقبالهم وينزله ضيفا عليه معززا مكرما ولكن الحاكم لم يعتن به ولا خرج إلى استقباله . فكانت هذه المعاملة إعلانا بالتمرد . ولذلك عزم « سليمان خان قاجار » على محاربته ، وهو في بلاده وفي مكان يتمتع فيه « مصطفى خان » بنفوذ فائق ، ويفديه الناس بأرواحهم لما كان يبذله لهم من رعاية أبويه وسهر على مصالحهم والآخذ بيد المحاويج منهم . وأراد « سليمان خان قاجار » إرهاب الطالشيين فعمد إلى إحراق بعض بيوتهم ومصادرة مواشيهم . فغضب الطالشيون ، وبيتوا معسكر « سليمان خان قاجار » وقتلوا جماعة من جنده وفر هو مع من بقي منهم وخرج بهم من إقليم « طالش » . ويومئذ كان « آقا محمد خان » في « سراب » من أعمال أذربيجان . واتفق في إحدى الليالي أن كان « الشيخ جعفر التنكابني » يقرأ له في كتاب . وأراد « آقا محمد خان » أن يقول شيئا ، وإذا بلسانه ينعقد فلا يستطيع كلاما . ثم يقع مغمى عليه بنوبة قلبية . وكان ذلك في اليوم 29 من شهر صفر سنة 1205 هبناء على قول بعض المؤرخين . وقال آخرون إن هذه الواقعة حدثت في طهران في شهر ربيع الأول سنة 1206 ه . وتولى الأطباء مداواته حتى شفي ، فغادر « سراب » قاصدا إلى « أردبيل » ، وهي تقع على بعد أربعين ومائة كيلو متر من تبريز إلى جهة الشرق منها . فلما وصلها نزل في قلعتها . وتوافد أعيان « أردبيل » إلى زيارته . وفي هذا الاجتماع أبلغ « آقا محمد خان » زواره بأنه يعفي مدينتهم من تأدية الضرائب المتأخرة من السنين الماضية ولكنه يطلب تأدية الضرائب عن السنة الجارية ، وأمهلهم خمسة أيام لتهيئتها من سكان المدينة وخمسة عشر يوما لتهيئتها من سكان النواحي الأخرى التابعة لها . وقد أرهقهم بهذا الطلب إذ كان أوان الجني والحصاد لا يزال بعيدا وليس في أيديهم فضلة من مال . ولكنهم اضطروا إلى الرضوخ فجمعوا الضريبة بشق الأنفس . أما « سليمان خان قاجار » الهارب من « طالش » فقد سار قاصدا « أردبيل » . فلما قرب منها علم أن « آقا محمد خان » فيها . فخاف على نفسه من عقابه فتوقف عن دخولها إلى أن علم أن « آقا محمد خان » قد غادرها إلى تبريز ، وعندئذ دخلها . وأرسل منها رسالة إلى « آقا محمد خان » قال فيها إن عسكر الطالشيين كانت عدته عشرة أضعاف عدة جيشه ولذلك عجز عن التغلب على « مصطفى خان » الطالشي ، فقتل جماعة من جيشه وجرح جماعة وأسر جماعة . وأن لا بد ، للتغلب على الطالشيين ، من إمداده بجيش قوي . وأما « آقا محمد خان » فكما دخل إلى « أردبيل » سلما لم يلق مقاومة ، كذلك اقترب من تبريز لا يلقى مقاومة . وقبل أن يدخلها سارع إليه حاكمها « حسين خان بيكلر بيكي » يستقبله على بعد ثلاثة فراسخ منها . واستقبله وهو على هذا الوضع : ملا كل فردة من جزمته ترابا وربط إحداهما بطرف من حبل وربط الأخرى بطرفه الآخر وجعل الحبل على عنقه بحيث تتدلى الفردتان على صدره وعصب عينيه بمنديل وتقدم نحو « آقا محمد خان » حافيا يقوده من يده أحد مرافقيه . وهذا الوضع كان يتخذه في تلك الأيام المذنب الراجي للعفو إذا حضر عند من أذنب إليه . فلما رآه « آقا محمد خان » على هذه الحال قال له : أراك تتقدم إلي على شكل مذنب يعترف بذنبه ، فما هو الذنب الذي أذنبته ؟ فقال « حسين خان بيكلر بيكي » : ذنبي أني تأخرت في الاطلاع على تملك الملك السعيد فلم أبادر إلى الحضور إلى طهران ووضع نفسي في خدمته في الوقت اللازم . وقد نفعت هذه الحيلة « حسين خان بيكلر بيكي » ، إذ سر بها « آقا محمد خان » . وسبب سروره وهو حالة نفسانية خاصة . أنه ، مع كل ما كان يتصف به من صفات عالية ، كان لا ينفك مبتلى بما يسمى اليوم في علم النفس بعقدة الصغار ، بسبب خصائه ، وما يلقاه أحيانا من سخرية واستهانة لاصابته بهذه العاهة . فإذا أبدى له رجل كبير كامل الرجولة خضوعا واستكانة وجد في ذلك شفاء لنفسه . وكان « حسين بيكلر بيكي » مذنبا حقا بمقتضى السنن والرسوم التي كانت متبعة يومئذ . فإنه لم يبادر ، حين تملك « آقا محمد خان » ، إلى إظهار الخضوع والطاعة له وإرسال الضرائب المستوفاة إليه . وقيل إن علة استقبال « حسين خان بيكلر بيكي » ل « آقا محمد خان » وهو على هذه الحالة هي أن « آقا محمد خان قاجار » ارتكب لما قدم إلى أذربيجان أعمالا قاسية ، فقتل فريقا من الرؤساء والأمراء وأعمى فريقا منهم . فأراد « حسين خان بيكلر بيكي » تملقه واستعطافه ليعفو عنه . وقيل أيضا إن « آقا محمد خان » ارتكب بعد دخوله إلى تبريز أعمالا أخرى من هذا القبيل . ومهما يكن فان « آقا محمد خان » أولى « حسين خان بيكلر بيكي » عنايته وأكرمه حتى إنه أعفاه من تأدية ضرائب تبريز إليه . إذ وقعت معاملة « حسين خان بيكلر بيكي » له موقعا حسنا من نفسه . وكان النافذون في أذربيجان يومئذ جماعة من الرؤساء المحليين يأتي في مقدمتهم « حسين خان بيكلر بيكي » حاكم تبريز و « محمد علي خان بيكلر بيكي » حاكم « أرومية » .