حسن الأمين
302
مستدركات أعيان الشيعة
أحدهما كتاب « الشهاب في الشيب والشباب » وقد جمع فيه موازنا خير ما قيل فيهما ، وبخاصة ما كان من شعر « البحتري » و « أبي تمام » ، و « ابن الرومي » وأخيه « الرضى » ، وما نظمه هو في الموضوع . وثانيهما كتاب « طيف الخيال » وقد جرى التأليف فيه على نسق ما جرى في الأول ، مستطردا أحيانا إلى ما قاله غيرهم من الشعراء . وله مؤلف ثالث باسم « البروق » وأكبر الظن أنه يجرى مجراهما في الموازنة ، إذ أن المرتضى كلف بوصف البرق في شعره كلفه بالموضوعين [ المتقدمخين ] المتقدمين . كما ذكرت الفهارس له مؤلفا آخر باسم « تتبع أبيات المتنبي التي شرحها ابن جني » . وليس للكتابين الأخيرين - فيما انتهى إليه بحثي - وجود في فهارس المكتبات العامة والخاصة ، ولم أعرف أحدا نقل عنهما نصا أو أثرا . على أن كتاب « الأمالي » وحده كاف في تصوير ما حفظ الرجل ووعى من شعر جاء على أكثره بالموازنة والتعقيب . ( 1 ) كما يصح أن ندرج في ضمن كتبه الوصفية « شرح القصيدة المذهبة للسيد الحميري » ، فقد تحدث عن معاني أبياتها ، وشرح أغراضها شرحا لغويا أدبيا أتى على جملة ما في القصيدة من أغراض . ولقد كان في كثير من خواطره النقدية موفقا بارعا ، شهدنا ذلك في تعقيبه على « غريب الحديث » « لابن سلام » ، و « غريب الحديث » ل « عبد الله بن مسلم بن قتيبة » ، وفي مؤاخذاته « للآمدي » في كتابه « الموازنة بين الطائيين » . فمن مأخذه الموفقة ما ورد في كتاب « الشهاب » تعقيبا على الآمدي حين تعرض لأبيات البحتري : هل أنت صارف شيبة إن غلست في الوقت أو عجلت عن الميعاد جاءت مقدمة أمام طوالع هذي تراوحنى وتلك تغادى وأخو الغبينة تاجر في لمة يشري جديد بياضها بسواد لا تكذبن فما الصبا بمخلف لهوا ، ولا زمن الصبا بمعاد وأرى الشباب على غضارة حسنه وجماله عددا من الأعداد قال المرتضى : « وجدت الآمدي قد نزل في معنى قوله : « يشري جديد بياضها بسواد » لأنه - الآمدي - قال : معنى يشري : يبيع ، وأراد أن الغبين من باع جديد بياضه بالسواد ، وأراد بالسواد الخضاب فكأنه دم الخضاب . والأمر بخلاف ما ذكره ، وما جرى للخضاب ذكر ، ولا هاهنا موضع للكناية عنه ، ومعنى « يشري » هاهنا : يبتاع ، لأن قولهم « شريت » يستعمل في البائع والمبتاع جميعا ، وهذا من الأضداد ، نص أهل اللغة على هذا ، فكأنه شهد بالغبن لمن يبتاع الشيب بالشباب ، ويتعوض عنه به . وإنما ذهب على « الآمدي » أن لفظة « يشري » تقع على الأمرين المتضادين ، فتحمل ذكر الخضاب الذي لا معنى له هاهنا . . . ( 2 ) ومن مأخذه على الآمدي مأخذه على تفسيره للبيت الأخير من أبيات البحتري الآتية : أخي إن الصبا استمر به سير الليالي فانهجت برده تصد عني الحسان مبعدة إذ أنا لا تربه ولا صدده شيب على المفرقين بأرضه يكثر في أن أبينه عدده تطلب عندي الشباب ظالمة بعيد خمسين حين لا تجده لا عجب إن نقلت خلتنا فافتقد الوصل منك مفتقده من يتطاول على مطاولة العيش تقعقع من ملة عمده فقد فسر الآمدي : « تقعقع من ملة عمده » بان عظام الكبير المسن يجيء لها صوت إذا قام وقعد ، وتسمع لها قعقعة . قال المرتضى : « وما سمعنا بهذا الذي ظنه في وصف ذوى الأسنان والكبر ، والمعنى أظهر من أن يخفى على أحد ، لأنه أراد : من عمر وأسن ، وأول العيش تعجل رحيلة وانتقاله من الدنيا ، وكنى عن ذلك ب » تقعقع العمد « لأن ذوى الخيام والأطناب إذا انتقلوا من محل إلى غيره ، وقوضوا عمد خيامهم ، وسارت بها الإبل ، سمعت لها قعقعة . ومن أمثال العرب المعروفة : » من يتجمع تتقعقع عمده « يريدون أن التجمع يعقب التفرق ، والرحيل الذي تتقعقع معه العمد . ومعنى قوله : « من ملة » يريد من السام والملال ، دون ما ظنه « الآمدي » من أنه تملي العيش . ( 3 ) ومن مأخذه النقدية على « الآمدي » دعوى الأخير أن « أبا تمام » أخذ قوله : عادك الزور ليلة الرمل من رملة بين الحمى وبين المطالي نم فما زارك الخيال ولكنك بالفكر زرت طيف الخيال من قول « جران العود » : أهلا بطيفك من زور أتاك به حديث نفسك عنه وهو مشغول لأن معنى « وهو مشغول » أي أنه لم يزرك على الحقيقة فبنى « أبو تمام » من هذا قوله : « ما زارك الخيال » وبنى من قوله : « أتاك به حديث نفسك » قوله : « ولكنك بالفكر زرت طيف [ الحيال ] الخيال » ، فالمعنى كله ل « جران العود » وإنما غير « أبو تمام » لفظه . قال المرتضى : « وما كان عندي أن مثله يذهب عليه ما قصده » أبو تمام « ، مع وضوحه . ومعنى » وهو مشغول « أي وهو مشغول عنك ، لا تخطر بباله ، ولا تحدثه نفسه بك ، كما تحدث نفسك به ، ولا يفارقك ذكره . ومن مأخذه البارعة : ما أخذه على « الصولي » في تفسيره بيتا لأبي نواس ، فقد روى أن أبا نواس وقف على النيل بمصر ، فرأى رجلا قد أخذه التمساح فقال : أضمرت للنيل هجرانا ومقلية مذ قيل لي : إنما التمساح في النيل فمن رأى النيل رأي العين من كثب فما أرى النيل إلا في البواقيل
--> ( 1 ) الشيب والشباب ص 20 - 21 طبع الجوائب . ( 2 ) الشيب والشباب ص 20 ط الجوائب - والأمالي ج 2 ص 264 . ( 3 ) طيف الخيال ط مصر ص 21 ، والأمالي ج 1 ص 596 - 598 .