حسن الأمين

290

مستدركات أعيان الشيعة

من هذه الطبقات يتالف المجتمع الأرستقراطي المتنعم بخير البلاد وبمواردها ومناصبها . والمفروض في رجل كالشريف « المرتضى » أن يصيب مركزا اجتماعيا مرموقا ما دام العصر طبقيا ، وما دامت الأرستقراطية تحيط به من كل جهاته : النسب العلوي القصير الصاعد به عن طريق أبيه إلى الإمام موسى الكاظم ( ع ) سابع أئمة الشيعة ، والدم الثائر المالك الواصل به عن طريق أمه إلى الحسن الأطروش الكبير ، صاحب الديلم وطبرستان ، والقرشية الصريحة الدانية في قرباها من رسول الله ( ص ) عن طريق ابنته فاطمة ، وهي قربى طالما اعتزوا بها على الخلفاء من بني العباس ، ثم الخؤولة - « بني بويه » عن طريقة أمه ، وكانوا ملوك العصر ، وسادات المجتمع في ذلك الحين . فالمنصب في الدولة وقد كان أبواه لأمه وأبيه نقباء ، وأمراء حج ، وولاة مظالم ، وسفراء وملوك ، فالزعامة المذهبية والعلمية ، وقد كان رئيس الشيعة وفقيههم ، وعالم الحاضرة العباسية ، وأحد أدبائها المبرزين . كل هذه الروافد الأرستقراطية كانت تفيض على « الشريف » بالجاه والمنعة ، وتمده بوسائل الإعزاز والإكرام . بدأ الشريف « المرتضى » يبرز للمجتمع البغدادي في حياة أبيه « أبي أحمد » ، إذ عين نائبا عنه في نقابة الطالبيين ، والنظر في المظالم ، وإمارة الحج وهو شاب فتى لم يتجاوز خمسة وعشرين عاما . جاء في المنتظم حوادث 380 : فمن الحوادث فيها أنه قلد أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي نقابة الطالبيين ، والنظر في المظالم ، وإمارة الحج وكتب عهده على جميع ذلك واستخلف له ولداه : « المرتضى أبو القاسم » و « الرضي أبو الحسن » ، وخلع عليهما من دار الخلافة . ولندرك خطر هذه الوظائف الدينية والإدارية يحسن الرجوع إلى ما كتبه « الماوردي » المعاصر للمرتضى في كتابه « الأحكام السلطانية » : « هذه النقابة موضوعة على صيانة ذوي الأنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في النسب ، ولا يساويهم في الشرف ، يختار لها من هو أجلهم بيتا ، وأكثرهم فضلا ، وأجزلهم رأيا ، وهي عامة وخاصة » . أما الخاصة : فهو أن يقتصر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم ، وإقامة حد . ويلزمه على أهله من حقوق النظر : حفظ أنسابهم من داخل عليها أو خارج منها ، وتمييز بطونهم ، ومعرفة أنسابهم ، وتسجيل ذلك في ثبت ، وأخذهم بالأدب ، وتنزيههم عن المكاسب الدنيئة ، وكفهم عن ارتكاب المآثم والمحارم ، ومنعهم من التسلط على العامة ، وعونهم على اكتساب حقوقهم ، وأخذ الحقوق منهم ، والنيابة عنهم في المطالبة بحقوقهم من الفيء والغنيمة ، ومنع أياماهم أن يتزوجن إلا من الأكفاء ، ورعاية وقوفهم ، بحفظ أصولها ، وتنمية فروعها ، ورعاية قسمتها بين مستحقيها . وأما العامة : فيضاف إليها أشياء : الحكم بينهم فيما تنازعوا فيه ، والولاية على أيتامهم فيما ملكوه ، وإقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه ، وتزويج الأيامى اللاتي لا يتعين أولياؤهن ، أو تعينوا فهجروهن ، وإيقاع الحجر على من به عته أو سفه . يشترط في النقابة العامة أن يكون عالما من أهل الاجتهاد ، ليصح حكمه وينفذ قضاؤه . ( 1 ) 15 وهناك تفصيلات أخرى يحسن بمن يبغي الاستزادة من خصائصها الرجوع إلى الكتاب المذكور وينبغي أن يلاحظ أن نقابة المرتضى - كما سيأتي - كانت عامة . أما إمارة الحج فهي على ضربين - بحسب ما أورده « الماوردي » أيضا - : أحدهما : أن تكون على تسيير الحج ، والثاني : أن تكون على إقامة الحج . فاما تسيير الحج فهي ولاية سياسة ، وزعامة تدبير ، ويشترط فيها أن يكون أميرها مطاعا ، ذا رأي وشجاعة ، وهيبة وهداية . وله واجبات ، وعليه تبعات فصلها « الماوردي » . وأما الولاية على إقامة الحج فيكون صاحبها بمنزلة الامام . ( 2 ) ولها شروط وأحكام . وأما ولاية المظالم : فهي ولاية تشريعية وتنفيذية ، ومهمتها قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة ، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة ، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر ، نافذ الأمر ، عظيم الهيبة ، ظاهر العفة ، قليل الطمع ، كثير الورع « . ولها سلطات قضائية كثيرة استعرضها صاحب » الأحكام السلطانية « . ( 3 ) ويحسن أن يلاحظ أن السيد الشريف شغل هذه المناصب الخطيرة إصالة منذ عام 406 - 436 ه‍ . وفي عام 397 ورد كتاب من الملك « بهاء الدولة » بتلقيبه ب « ذي المجدين » . ( 4 ) وكان ممن يدعى في أكثر المناسبات السياسية ، ويعتد التاريخ بتسجيل حضوره في هذه المناسبات ، فمما ذكر أنه انحدر وأخوه وجماعة من أعيان المجتمع البغدادي لاستقبال بعض الملوك القادمين على بغداد ( 5 ) ويوم أن قلد نقابة الطالبيين أصالة ، وكان ذلك عام 406 قرئ عهده في الدار الملكية ، وحضر « فخر الملك » والأشراف والقضاة والفقهاء ، وكان في العهد : هذا ما عاهد « عبد الله أبو العباس أحمد الامام القادر بالله أمير المؤمنين » إلى « علي بن موسى العلوي » حين قربته إليه الأنساب الزكية ، وقدمته إليه الأسباب القوية ، واستظل معه بأغصان الدوحة الكريمة ، واختص عنده بوسائل الحرمة الوكيدة ، وقلد الحج والنقابة وأمره بتقوى الله . ( 2 ) ولقد سجل التاريخ أن الشريف كان أول المبايعين للقائم بأمر الله ، وفي هذا التنصيص المجمع عليه ما يشير إلى خطر تقدمه في المبايعة . وتجاوز مقام الرجل الاجتماعي هذا الحد ، وبلغ أن أصبح بيته حرما

--> ( 1 ) الأحكام السلطانية ص 164 ط بون 1853 . ( 2 ) الأحكام السلطانية ص 185 ط بون . ( 3 ) نفس المصدر ص 180 . ( 4 ) المنتظم حوادث 403 . ( 5 ) ابن الأثير ، المنتظم حوادث 406 .