حسن الأمين
278
مستدركات أعيان الشيعة
فورك « و » الأسفراييني « ، وللأخير انتهت رئاسة الشافعية ببغداد توفي 406 . ونبغ في هذا القرن من المعتزلة « قاضي القضاة عبد الجبار » ويعد رأس الاعتزال في كل عصوره حتى قيل : أنه أول من فتق علم الكلام ، ونشر بروده ، ووضع فيه الكتب الجليلة التي بلغت المشرق والمغرب ، وضمنها من دقيق الكلام وجليله ما لم يتفق لأحد ، وإليه انتهت عامة المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع . وكان للشيعة من قبل كلام في الاعتزال وبخاصة في مسائل الإمامة والخلافة ، ومن أوائل متكلميهم « عيسى بن روضة » المتكلم التابعي الشيعي ، ناظر « أبا الهذيل » في الإمامة و « عمرا الضبي » و « النظام » فيما رواه « المرتضى » في كتابه « الفصول المختارة » ، ويرى الشيعة أنه أول من فتق باب الكلام ، وكشف نقابه . و « أبو هاشم » ويعده الشيعة من مؤسسي علم الكلام ، و « علي ابن إسماعيل بن ميثم التمار » وله كتاب في الإمامة . و « فضال بن الحسن بن فضال » الكوفي المتكلم وهو من رجال المائة الثانية ، ويوصف بأنه : ما ناظر أحدا من الخصوم إلا قطعه ، وهو ممن أخذ عنه « المرتضى » في كتابه « الفصول المختارة » . و « هشام بن الحكم » ناظر أهل الفرق ، وخاصمهم ، وانتفع بكلامه « السيد المرتضى » في كتابه « السابق وكتابه » الشافي « . وأسرة بني نوبخت وهي أسرة شيعية معروفة بالعلم والفلسفة ، جل أفرادها من المتكلمين ، ولهم كتب في الإمامة ، استفاد منها « المرتضى » في « الشافي » . و « محمد بن عبد الملك الأصبهاني » وكان معاصرا « لأبي علي الجبائي » وله كتاب في نقض كتاب الجبائي . و « أبو الصقر الموصلي » ناظر « علي بن عيسى الرماني في مسائل كلامية حكاها الشيخ المفيد في كتابه » العيون والمحاسن « ، وهذا الكتاب رواه » المرتضى « عن » الشيخ المفيد « . ومن متكلميهم الشيخ المفيد ويعتبر رأس متكلمي الشيعة في هذا القرن . وقف المرتضى على أغلب كتب الكلام معتزلية وأشعرية وشيعية فظهرت آثارها في مؤلفاته « الغرر والدرر » و « الفصول المختارة » و « تنزيه الأنبياء » و « المحكم والمتشابه » و « الشافي » وفي جملة رسائله وبخاصة رسالته إلى « أبي عبد الله التباني » . ويعد الشيعة كتاب « الشافي » خير آثارهم الكلامية على الإطلاق . ه - في علوم العربية : أ - في اللغة - سجل مؤرخو اللغة لهذا القرن طاهرتين مهمتين في حياتها : أولاهما : ضخامة المعجم اللغوي ، وسعة معاني مفرداته ، وذلك بما جد من مفردات اقتبست من البيئات التي دخلتها العربية فظهرت في ألفاظها عن طريق التعريب ، ثم بما جد من علوم إسلامية ، استلزمت مصطلحات خاصة ، واقتضت تجوزا في استعمال الألفاظ لمعان لم يكن للعربية بها سابق عهد ، وانتهت أخيرا إلى أن تصبح حقائق عرفية ، أو حقائق شرعية ، أو حقائق اصطلاحية . أضف إلى ذلك ما دعا إليه « أبو علي الفارسي » وتلميذه « عثمان بن جني » من ضرورة الخروج باللغة من نطاق التوقيف والسماع ، إلى نطاق القياس والاشتقاق . مما لا يخلو من تبرير لدفع الكتاب والشعراء إلى التحرر من ربقة الجمود في الاستعمال . وثانيتهما : تيسر تناول اللغة من معاجمها ، وذلك بما وضع من معاجم مبوبة على حروف الهجاء ، بعد أن كانت مبوبة على مخارج الحروف ، أو منثورة على أساس ما يجمع بين المفردات من معنى . كان للظاهرة الأولى - أعني تضخم اللغة - أثر واضح في نتاج المرتضى ، كما كان للظاهرة الثانية أثر بليغ في حياة اللغة بعد القرن الرابع وذلك بما ألف من معاجم نهجت نهجها في التبويب على حروف الهجاء . لم يؤلف المرتضى كتابا في اللغة ليعد من أعلامها الذين يظفرون بذكر في قائمة أسماء اللغويين ، ولكنه من غير شك أحد أعلام اللغة المبرزين ، وذلك بما وعت كتبه من مفردات لغوية ، تطرق فيها إلى شرحها وتحديد مفاهيمها . كان الرجل من أعلام التفسير والحديث والفقه والكلام كما رأيت ، ولا بد لمن يفسر القرآن بالرأي في أكثر الأحوال من إلمام بالغ بمعاني المفردات القرآنية ، حتى يستطيع أن يختار منها لتفسيره ما يراه ملائما للرأي الذي ذهب إليه ، بل لا بد له من وراء الإلمام بمعنى المفرد اللغوي أن يلم بما يمكن أن يتعدى إليه من معان مجازية لها شاهد ونظير من الاستعمال . ولقد دلتنا تفاسيره للحديث ، ووقوفه في وجه « أبي عبيد القاسم بن سلام اللغوي المحدث » و « عبد الله بن مسلم بن قتيبة ( 1 ) الدينوري » أن الرجل من أندادهما في الوقوف على غريب الحديث ، مع العلم بان للرجلين كتابين في غريب الحديث لم يكن لهما نظير قبل تأليفهما وبعده . فإذا تجاوزنا غريب الحديث ، ومفردات القرآن ، وشهدنا آثاره اللغوية فيما فسر من شعر ، وشرح من نثر ، ثم ما وقف عليه من آثار اللغويين أمثال « يعقوب بن السكيت » ، ( 2 ) و « ثعلب » و « الفراء » ( 3 ) وما كتبه « ابن الأنباري » ( 4 ) ، و « الأصمعي » ، و « الكلابي » ( 5 ) ، و « أبو زيد » ، ( 6 ) و « ابن الأعرابي » ، و « أبو سعيد الكري » وغيرهم من أعلام اللغة أدركنا ما انتفع به « المرتضى » من آثار من سبقه من اللغويين . كان المرتضى يستعرض المفردات اللغوية على وجوه مختلفة ، فقد يذكر اللفظة ومعناها ، وقد يتجاوز إلى ذكر أضدادها أو نظائرها أو يتعقب معنى اللفظة في مواطن مختلفة من الشعر والنثر . ( 7 )
--> ( 1 ) الأمالي للمرتضى ط مصر وتحقيق محمد أبو الفضل ج 1 ص 5 ، 13 ، 15 ، 17 ، 31 ، 34 ، 156 ، 253 ، 339 ، 360 ، ج 2 ص 50 ، 200 . ( 2 ) الأمالي ج 1 ص 61 ، 368 . ( 3 ) الأمالي ج 1 ص 105 ، 107 ، 120 ، 343 ، 497 . ( 4 ) الأمالي ج 1 ص 220 ، 339 . ( 5 ) الأمالي ج 1 ص 222 ، 561 . ( 6 ) الأمالي ج 1 ص 356 . ( 7 ) انظر شرحه لقصيدة « السيد الحميري » ط القاهرة 1313 ه .