حسن الأمين
276
مستدركات أعيان الشيعة
البصرة والمحمرة في أواخر القرن الثاني عشر ومطلع القرن الثالث عشر للهجرة حين نبوغ جدها الأعلى السيد عبد القاهر التوبلي البحراني الذي كان من أجلاء تلاميذ الشيخ حسين العصفوري وله منه إجازة مؤرخة سنة 1196 ونجله السيد حسين بن السيد عبد القاهر التوبلي البحراني من مراجع الشيعة في البصرة . واشتهر هذا البيت الجليل باسم جدهم السيد سليمان بن السيد حسين بن السيد عبد القاهر التوبلي البحراني وهم منتشرون في المحمرة ( خرم شهر ) وعبادان والأهواز والبصرة وغيرها من المدن الإيرانية . وكان المترجم له من العلماء الأعلام أديبا شاعرا مؤلفا محققا قرأ المقدمات وفنون الأدب على أفاضل علماء المحمرة وأخذ الفقه والأصول عن الشيخ عيسى آل شبير الخاقاني وغيره ثم هاجر إلى العتبات المقدسة في العراق وسكن النجف الأشرف وأخذ العلم وفنون الأدب من أعلام النجف منهم السيد محمد تقي القزويني المتوفى سنة 1333 وأجازه أستاذه المذكور إجازة اجتهاد ثم رجع إلى موطنه المحمرة ( خرمشهر ) قائما بوظائف الشرع إلى أن توفي . له مؤلفات وآثار منها كتاب دليل المتعبد طبع في النجف الأشرف سنة 1370 ، الروضة العلوية قصيدة طويلة في واقعة الطف باللغة العامية الدارجة في العراق على منهاج النصارية لابن نصار وقد طبعت أيضا ، ذكرها شيخنا الأستاذ شيخ الذريعة في موسوعته الذريعة ج 11 ص 300 ، ديوان شعر يحتوي على قصائد رثاء ومديح لأهل البيت ع . الشريف المرتضى علي بن الحسين مرت ترجمته في المجلد الثامن ، وننشر هنا هذه الدراسة المكتوبة بقلم الدكتور عبد الرزاق محيي الدين : مميزات الحياة العلمية في القرن الرابع وأثرها في المرتضى عاش الشريف المرتضى في المنتصف الثاني من القرن الرابع الهجري ، ممتدة به الحياة إلى نهاية الثلث الأول من القرن الخامس على وجه التقريب . ولا أريد من هذه الدراسة أن أو أرخ علوم العربية من أول نشأتها حتى القرن الرابع ، لأمسك بحلقاتها واحدة واحدة ، وأتتبع تطوراتها طورا طورا ، ولا أحاول من وراء هذا العنوان تصوير الحياة العلمية كلها لهذا العصر ، وإنما أبغي من وراء هذه الدراسة أن ألمع إلى ظاهرتين كاد يتفق مؤرخو علوم العربية ومصورو عصورها على تميز القرن الرابع بهما ، لأصل بين هاتين الظاهرتين وحياة « الشريف المرتضى » ، ولألمس أثرهما في تكوينه وفي آثاره العلمية والأدبية . فأولى الظاهرتين : بلوغ العلوم والفنون الأدبية درجة من النضج والتكامل لم يسبق أن بلغتها في العصور الماضية ، ونصيبا من الدقة والوفاء لم يعد معهما للعصور الآتية بعد الرابع إلا الأخذ بمناهجه ومذاهبه ، في شيء من التوسع والشرح ، أو الاختصار والإجمال . وثانيهما : تمايز العلوم والفنون فيما بينها ، وعدم التداخل بين مسائلها ، ووضوح المذاهب الإسلامية بما كتب من أصول العقائد فيها . فمن جهة الظاهرة الأولى يلاحظ المتتبع : أ - في تفسير القرآن : أنه قبل هذا القرن كان التفسير في الأغلب تفسيرا بالمأثور من الحديث النبوي ، أو من حديث أئمة أهل البيت عند الشيعة ، وأن التفسير بالرأي في ظل الأعوام التي سبقت القرن الرابع كان يأخذ طريقه إلى الظهور ببطء على يد المعتزلة ، حتى إذا استوت الدراسات القرآنية ونضجت ، قام التفسير بالرأي ينافس التفسير بالرواية ، وأصبح للتفسير مدرستان واضحتا المعالم والحدود ، كما ظهرت تفاسير قرآنية تجمع بين المدرستين ، أو تنهج أحد المنهجين ، ولم تخرج العصور الآتية بعد الرابع عن التفسير بالأثر أو التفسير بالرأي ، أو تجمع بين الأمرين . بلغت مدرسة التفسير بالأثر لدى جمهور السنة ذروتها على يد « محمد بن جرير الطبري » المتوفى سنة 310 في تفسيره المعروف . وقد كان « ابن جرير » حافظا للقرآن ، بصيرا بالسنن ، فقيها بالأحكام . أما للشيعة فقد انتهى إلى القرن الرابع كتب كثيرة غالبها من التفسير بالأثر ، منها : تفسير « سعيد بن جبير التابعي » المتوفى سنة 64 هوتفسير « إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي » المتوفى سنة 127 هوله كتاب « أمثل التفاسير » وتفسير « محمد بن السائب الكلبي » وليس لأحد تفسير أطول منه ولا أشبع ، وتفسير « جابر بن يزيد الجعفي » المتوفى سنة 127 و « الحسن بن خالد البرقي » له كتب في التفسير منها تفسيره البالغ 120 مجلدا ، وتفسير « علي بن الحسن بن فضال » ، و « محمد بن سعيد بن هلال الثقفي الكوفي » المتوفى سنة 383 ، و « علي بن إبراهيم القمي » ( وتفسيره مطبوع ) ، وتفسير « علي بن الحسين بن بابويه القمي » ، وتفسير « أبي عبد الله الكاتب النعماني » ، و « محمد بن الحسن الشيباني » وله كتاب نهج البيان ، وعنهما أخذ « المرتضى » جملة نصوص في كتابه المحكم والمتشابه . وكان على رأس التفسير بالدراية جماعة المعتزلة منذ عهد « النظام » و « الجاحظ » حتى إذا طلع القرن الرابع نهض بأعبائها « أبو علي الجبائي » ، والقاضي « عبد الجبار المعتزلي » ، و « أبو مسلم » محمد بن بحر الأصبهاني المتوفى سنة 370 همن السنة ، وعلى رأسها من الشيعة « النعماني » وإن كان في بعض تفسيره يعني بالمأثور . ولد « المرتضى » والمدرستان قائمتا الأسس ، واضحتا المعالم ، درس كلا منهما ، وانتفع بكل منهما ، وظهرت آثار الانتفاع فيما كتب من تفسير لآي القرآن الكريم في كتبه « الأمالي » و « المحكم والمتشابه » و « الشافي » ، ثم في كثير من أبواب كتبه الفقهية . ب - في الحديث النبوي : جاء القرن الرابع والحديث بالغ ذروته في الفخامة وفي الكثرة ، دونت فيه كتب كثيرة ، واجتمع منه لدى الرواة من السنة ما بلغ ستمائة ألف حديث ، ولدى الرواة من الشيعة كل ما روي بطرقهم عن النبي أو عن أئمتهم ، فأبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني أخرج في « الكافي » ألفا وستمائة وتسعين حديثا بأسانيدها ، « ومحمد بن بابويه القمي » ألف أربعمائة كتاب في علم الحديث أجلها كتابه ( من لا يحضره الفقيه ) ، وأحاديثه تسعة آلاف وأربعة وأربعون حديثا ، ويبلغ الحديث ذروته لدى « الشيخ الطوسي » ( تلميذ المرتضى ) في كتابه « تهذيب الأحكام » فإنه اشتمل على 393 بابا و 23590 حديثا ، وفي « كتابه » « الاستبصار » وأبوابه 920 بابا في 5511