حسن الأمين

265

مستدركات أعيان الشيعة

ومن هذا المنظور فان ما افترضه الكواكبي بان الحل هو تسليم الشعوب الإسلامية بالخلافة للعرب ، الذين هم برأيه « انسب الأقوام » ويشكلون « الوسيلة الوحيدة لجمع الكلمة الدينية . . . بل الكلمة الشرقية » ، ( 1 ) يعطيه زيادة هذا الطرح المبني على قاعدة القومية ، أو ما يوافق فكرتها حسب تعبير « حوراني » ( 2 ) دون أن يتعارض ذلك مع الذي ذهب إليه « كوثراني » بان « المرجعية النظرية : تبقى عند الكواكبي نظرية الإسلام » ، ( 3 ) فمن الطبيعي جدا أن يكون منطلقه ، وهو الفقيه وصاحب تعبير « الإسلامية » ، ( 4 ) بمضمونها القرآني « والحديثي » ، من هذه القاعدة أو النظرية ، إلا أن فرادته جاءت - ولا نظن بان قارئا متمعنا في فكره ينكر ذلك - تجلت في أنه أول من طرح الخلافة العربية ، ليس على أساس ديني ، ولكن وفقا للنموذج الراشدي والقليل المتماهي معه في العهد الأموي ( خلافة عمر بن عبد العزيز ) حين اتحدت إدارة الملك وإدارة الدين على نحو لم يتكرر بعده في الإسلام . ( 5 ) ومن الطبيعي أيضا أن يكون للكواكبي مكان في الحركة الداعية إلى « النهوض بالعالم الإسلامي » التي رادها الأفغاني وانخرط فيها كبار النهضويين في تلك الفترة . على أن هذه الحركة أمام التحديات التي عطلت دورها ، لم يعد مجديا النضال تحت لوائها مما أدى إلى تبعثر أعضائها في اتجاهين : أحدهما ، كان ما يزال مؤمنا باستمرار العرب في إطار الدولة العثمانية ، وصولا إلى تحقيق صيغة الاستقلال الذاتي ( 6 ) وثانيهما أخذ يتجه إلى الخروج نهائيا من إطارها والعمل على تأسيس دولة عربية موحدة ، بعد فجيعته بالمنحى الطوراني ( القومي ) لهذه الدولة كما سبقت الإشارة . ومن هنا تكتسب فكرة الكواكبي أهميتها ، بأنه كان الأكثر جرأة في ترجمة هواجسه - ولو بصورة مقنعة - من منطلق عربي ( قومي ) . وليس من منطلق إسلامي كما كان مطروحا لدى دعاة « العثمانية » التي قامت على أنقاض « الجامعة » واستمرت وقتا في الفترة « الاتحادية » ، فالعرب هم عماد الإسلام ومجد هذا الدين اقترن بهم ، مما جعلهما متلازمين تاريخا ووحدتهما مجسدة في الخلافة التي كانت في قريش وحاول استعادة نموذجها [ الكواكلبي ] الكواكبي بعد نحو ثلاثة عشر من القرون . كان هذا أقصى ما يمكن الإفصاح عنه في زمن ظلامي ، حين طرح الكواكبي هذه الأفكار ، دون أن يجرؤ على مثل ذلك حتى أولئك [ الدين ] الذين كانوا خارج سياج الظلام ، ولعل رده على الشيخ رشيد رضا يذهب بنا إلى الاعتقاد ، بان صورة الخليفة التي رسمها في وادي القرى ، قد راودته في حلب ، حيث وضع على الأرجح مادة الكتاب ، وهي ليست نفسها التي عبر عنها في مصر ، إذ قال - أي الكواكبي - : « فلما ذا يقدح في وينعي علي إذا نصحت لأبناء ملتي المسلمين أن لا يعتمدوا على السلاطين في زماننا هذا لإقامة معالم الدين ، وأن يميزوا بين الدول الحاضرة التي تقتصر وظيفتها على الأمور الدنيوية والدول الغابرة التي كانت وظيفتها تعم الأمور الدينية والدنيوية معا ، فلا ينتظروا من دولتنا الحاضرة ما كان أسلافنا المسلمون يحصلون عليه » . فلم يكتف هنا بالوظيفة الروحية للخليفة ، لأنها تخل بسلطة الخلافة كما كرسها الفقهاء المسلمون ، وهو ما كان يدركه جيدا كل من الشيخين المتناظرين على صفحات « المقطم » ، إلا أن المكان هو الذي فرض على الكواكبي ، الفصل بين السلطتين ، مذكرا زميله ، بأنه لو قال في « طرابلس الشام ( 7 ) ليس للمسلمين اليوم خليفة ولا امام لاطارته أعاصير السخط إلى أعالي الغمام ثم طوحت به صواعق الانتقام إلى لجج البحار » . ( 8 ) وهكذا فان مجرد الدعوة إلى استعادة الخلافة للعرب وإلى موقعها القرشي بالذات ، يشكل سابقة نضالية في الحركة العربية ، حتى ولو لم يتم الإفصاح عن مضمونها القومي المباشر ، ذلك التعبير الذي استخدمه على ما يبدو الزهراوي للمرة الأولى ، وهو من المتأثرين بالكواكبي إلى حد كبير ، ( 9 ) ولكن الأخير استخدم تعبير « القوم » في سياق الإشارة إلى العرب ، أو « الناطقين بالضاد » ، ( 10 ) وتحريضهم على « الاتحاد الوطني دون الديني » ، ( 11 ) تماهيا مع أمم الغرب ، كما استخدم عبارة « الأمة » في التخاطب مع الناشئة العربية التي وجه إليها كتابه « الطبائع » ، عاقدا عليها الآمال في بعث « الأمة » واستنهاضها على خطى الأجداد الذي لم ينحنوا « إلا ركوعا لله » . ( 12 ) إن قراءة هادئة في فكر الكواكبي ، تجعلنا على يقين بأنه تجاوز الطروحات « العثمانية » التي شكلت محور الخطاب الاصلاحي في ذلك الوقت ، منفردا بخطاب سياسي له نكهته العربية ، وإن كانت غير ظاهرة تماما ، في القراءة السريعة والمسطحة لفكره ، فالعرب كانوا ما يزالون بالنسبة إليه ، هم الدين والتراث والقيادة والعلم ( 13 ) واللغة التي تشد أواصرهم ، فضلا عن المستقبل المعقود لهم ، بعد استفحال ما سماه ب « الفتور » وما أدى إليه من فقدان الرابطة السياسية والدينية في الدولة « المريضة » . وقد لا يكون الكواكبي مفكرا قوميا بالمعنى المباشر أو المتداول فيما بعد ، إلا أنه في كتاباته ، برغم الاستبداد والظلامية ، طرح للعرب موقعا متميزا بين المسلمين المنضوين تحت حكم السلطنة ، الأمر الذي يجعلهم مؤهلين لدور قيادي ، أو بالأحرى لاستعادة هذا الدور ، على أن الكواكبي أخيرا ، إذا كان تراثيا يختلج « مجد » السلف العظيم في عروقه ، فان اطلاعه على الثقافة الأوروبية ، الناضحة حين ذاك بالفكر القومي ، قد أغنى هذا الحافز النضالي في ذاته ، سواء كان له مضمونه القومي الراسخ ، أم أنه مجرد ارهاص بهذه الفكرة . . . وفي كلا الوضعين يحتل الكواكبي موقعا متقدما ويتخذ زيادة خاصة . عبد الحسين ميرزا بن الميرزا محمد عسكري رئيس لكهنو ولد سنة 1300 في كربلاء ( العراق ) وتوفي سنة 1365 في لكهنو ( الهند ) .

--> ( 1 ) كوثراني ، السلطة والمجتمع والعمل السياسي ، ص 157 . ( 2 ) الفكر العربي في عصر النهضة ، ص 325 . ( 3 ) كوثراني ، المرجع السابق ، ص 325 . ( 4 ) أم القرى ، ص 174 . ( 5 ) الدوري ، المرجع السابق ، ص 172 . ( 6 ) أنطونيوس ، المرجع السابق ، ص 171 . ( 7 ) داية ، المرجع السابق ، ص 141 . ( 8 ) يتحدر الشيخ رضا ، كما هو معروف - من القلمون القريبة من طرابلس الشام . ( 9 ) كوثراني ، السلطة والمجتمع والعمل السياسي ، ص 157 . ( 10 ) الدوري ، المرجع السابق ، ص 145 . ( 11 ) طبائع الاستبداد ، ص 102 . ( 12 ) المكان نفسه . ( 13 ) المرجع نفسه ، ص 99 .