حسن الأمين

256

مستدركات أعيان الشيعة

غضبتم غضبة للحق أمت تذل لهولها الأسد الغضاب حرام أن تذوق النوم عين وفي الأوطان غدر واغتصاب وقوله : جاءت تطلع من وراء حجاب غيداء تحلم بالهوى الخلاب وتلفتت مرتابة ولطالما لعب الغرام بقلبها المرتاب لتصيد بالأهداب صبا هائما بفواتر الألحاظ والأهداب تركت إلى الأتراب أوتار الهنا وتباعدت وجدا عن الأتراب وقوله : أتأمن للزمان وكل يوم يروع بالدواهي الطيبينا ويبنى للطغاة بكل مجد بناء من دماء البائسينا أنجبن والحياة بها بقين بان الفوز ملك الطامحينا أيدرك غاية في المجد يوما جبان يحمل الذل المهينا وقوله : لم أنت لم تغضب ولست تثور والخطب في الوطن السليب كبير خطب تأجج في النفوس مصائبا وبكل بيت للنفوس قبور أبت المروءة أن تراك أخا العلى تمشي على شوك الأذى وتسيرا وقوله : علمت من الأيام علما يدلني على أن جل الناس لا تكرم العلما أتنظر كيف الدهر يخرس ناطقا على رغمه ظلما ويستنطق البكما كفانا نفاقا أن نهيم بمعشر يرون اتباع الحق في وجههم وصما عبد الحسين عبد الله بن إسماعيل ولد في بلدة الخيام ( جبل عامل ) وتوفي فيها سنة 1410 عن عمر جاوز التسعين . كان شاعرا شعبيا متحسسا آلام الشعب العاملي وهمومه ، سبرا بشعره عن شكوى هذا الشعب وتطلعاته ونقمته على العابثين بكرامته والمشوهين لإرادته . وكثير من شعره يعتبر من السهل الممتنع . ولم يجمع شعره في ديوان مطبوع ، بل نشر قسم قليل منه في مجموعة صغيرة . وقد عايش الشاعر العاملي الآخر موسى الزين شرارة ، وكان هذا أيضا شاعرا شعبيا يسير في نفس المنحى . لذلك كان يختلط شعرهما على الناس فينسبون ما لأحدهما إلى الآخر . وقد اصطدما كلاهما بالسيد عبد الحسين شرف الدين الذي كان عميلا للفرنسيين يسخرونه لتنفيذ ماربهم الاستعمارية ، ولما ضاق الفرنسيون بشعر ( موسى ) المعارض للانتداب الفرنسي ، طلبوا إلى السيد عبد الحسين شرف الدين أن يعلن تكفيره مستغلين قصيدة له يناهض بها المتاجرين بالدين ، فافتى شرف الدين بتكفيره واستباحة دمه ، ولكنه لم يكن لذلك أقل أثر لأن الناس كانوا يعرفون دوافع صاحب الفتوى ومن يقف وراء إصدارها ، ثم أن أصدقاء ( موسى ) أخذوا نص القصيدة وأرسلوها إلى المراجع الدينية في النجف سائلين عما إذا كان من ينظم هذه القصيدة يمكن أن يحكم بكفره ، فرد المراجع بأنه ليس في القصيدة ما يشعر بفساد العقيدة وما يوجب الحكم بتكفيره ، وكان رد أحدهم قاسيا مؤنبا لمن حكم بالتكفير . وإلى هذا التكفير يشير المترجم في قصيدته الآتية . أما موسى فقد رد على فتوى تكفيره بقصيدة قال في مطلعها : ( قالوا كفرت فقلت في أفعالكم ) . ومن بين ما كان شرف الدين يخدم به الفرنسيين ويتزلف إليهم وينفذ سياستهم أنه دعا أحد كبار رجالهم ( المسيو دافيد ) وهو من الفرنسيين اليهود ومن كبار رجال الانتداب الفرنسي - دعاه إلى وليمة فخمة أقامها له في منزله بمدينة ( صور ) وحشد فيها لاستقباله جموع القرى بطبولها وزمورها ، وكان قد قيل للسيد شرف الدين أن الفرنسيين لا يستطيبون الطعام العربي ، فأوصى على طعام الوليمة عند مطعم فرنسي شهير في بيروت اسمه ( مطعم طانيوس ) فاحضر الطعام منه إلى منزل السيد عبد الحسين في صور حيث تناوله الجميع بمن فيهم السيد عبد الحسين شرف الدين . فنظم المترجم في هذا الحادث قصيدة قال فيها : لمن الوليمة في مدينة صور محفوفة بالطبل والزمور جلس الرجال إلى الموائد وحدة فالسيد المفضال جنب الخوري « 1 » والكأس دار على الجميع فلا ترى عيناك غير الشارب المخمور بشراك قد طوي التعصب بيننا وانحل كل معقد وعسير ثم يخاطب السيد عبد الحسين شرف الدين قائلا : اشرح لنا عن لحم مطعم ( طانس ) وعن الخمور به ، عن الخنزير أفهمت أن الخمر ليس كشاينا ( والبطحة ) الحسناء غير ( القوري ) « 2 » لا شك أنك نادم عما مضى مذ كنت ترمي الناس بالتكفير لا تعجبن فكل شيء قابل في الكون للتبديل والتغيير ما أنزل الرحمن نصا ثانيا لكن تبدل منهج التفسير فالخمر مثل الشاي عندك قد غدا وكذلك ( الخنوص ) ( كالقرقور ) « 3 » اشرب هنيئا كل صاحب عمة ما كان مثلك في لظى وسعير الكل دونك أنت قد نجيتنا من مشكل التنجيس والتطهير وحبوت ( طانس ) بالحنان معانقا إياه بين موائد وخمور لو تشهد ( الكيثكات ) والكأس التي تنهل بين كواكب وبدور ( 4 ) لتركت ناحبة المصلى جانبا وزهدت بالتهليل والتكبير سر للأمام ففي ركابك عصبة تزري بكل معمم مغرور وارم العمامة أنها مشئومة كم أوقعت أوطاننا بشرور ولم يمض الأمر بسلام على الشاعر فان شرف الدين حمل القصيدة وذهب إلى المستشار الفرنسي في صيدا ، وقال له إن ما أصابني من أذاها هو بسبب ولائي لكم فيجب معاقبة ناظمها . فاغتنم الفرنسيون قيام الحرب العالمية الثانية وإعلان الأحكام العرفية بسببها فقبضوا على الشاعر وأودعوه سجن قلعة راشيا فبقي فيه حتى انتهاء الحرب . وفي سجن قلعة راشيا نظم القصيدة التالية معرضا بالسيد عبد الحسين شرف الدين الذي شكاه إلى الفرنسيين فاعتقلوه تلبية لطلبه وإرضاء له : لاحت من ( المرج ) « 4 » أنهار وغدران فخف للماء في جنبي ظمآن