حسن الأمين

24

مستدركات أعيان الشيعة

ولكن الواقع أن الشرقيين سبقوا الغربيين إليه ، واستعملوه من قديم الزمان قبل أن يعرفه الغربيون . وقد استعمله « قاسم خان فيروزكوهي » في استكشافه على نحو بارع معجب . فكان جنوده يستترون بالأعشاب وأغصان الشجر بكل مهارة ، ويحصلون على ما يريدون الحصول عليه من معلومات والعدو غافل عنهم . ويوم بدأ « ذو الفقار خان أفشار » تجييش جيشه هذا شاع أن عدة جنوده بلغت مائة ألف جندي . ولكن ، بعد أن اقترب هذا الجيش من طهران ، تأكد لقائد الطليعة القاجارية « قاسم خان فيروز كوهي » أن عدتهم لا تتجاوز اثني عشر ألفا . ولذلك عزم « جعفر قلي خان » على الخروج بجيشه من طهران ومباغتة « ذو الفقار خان أفشار » بالهجوم قبل الوصول إليها . فبيته في نواحي بلدة « كرج » وتغلب عليه وعاد إلى طهران ظافرا . وأرسل رسولا إلى « ورامين » ينبئ « آقا محمد خان » بالنصر . وعاد هذا إلى طهران . تمرد رضا خان قاجار وبعد بضعة أسابيع من توقف « آقا محمد خان » في طهران ذهب إلى مازندران في سنة 1195 هالموافقة سنة 1780 م وأقام في « بار فروش » . وفي تلك السنة عصى « محمد قلي خان الأبيض » و « محمد قلي خان الأسود » اللاريجانيان في بلدتهما « لاريجان » . وقد ذكرنا آنفا أنهما كانا حليفي « علي مراد خان زند » في محاربته « آقا محمد خان » وكانا قائدي جيشه اللذي هزمه « آقا محمد خان » في مضيق « عباسآباد » . أعلن هذان العصيان على « آقا محمد خان قاجار » واستقلا عنه ولكنهما لم يطلبا الملك . وبلغ خبرهما إلى « آقا محمد خان » ، وبلغه أيضا أنهما يصنعان البنادق وعن قريب سيحصلان على عشرات الألوف منها . فاستدعى « آقا محمد خان » - وكان لا يزال في « بار فروش - إليه أخاه » رضا قلي خان « وأمر باصطحاب جماعة من الفرسان إلى » لاريجان « واعتقال » محمد قلي خان الأبيض « و » محمد قلي خان الأسود « وإحضارهما مكتوفين إلى » بار فروش « . فلما وصل « رضا قلي خان » إلى « لاريجان » وعلم المطلوبان بقصده أرسلا إليه أنهما حاضران للتسليم ولكنهما يلتمسان منه أولا الاجتماع به ليطلعاه على بعض الأمور . فقيل . فلما اجتمعوا ثلاثتهم أبلغاه أنهما لا ينويان عصيانا ولا خروجا عن الطاعة ، بل يطلبان حقا مغصوبا لهما . وذلك أن أباه « محمد حسن خان أشاقة باش » سلبهما أملاكا لهما في « لاريجان » توارثاها أبا عن جد . وأن « آقا محمد خان » يرفض إعادتها إليهم . وكان لهما قصد آخر من هذه المذاكرة . وهو أن يحسنا له طلب الملك لنفسه . فقال له « محمد قلي خان الأبيض » : « لقد قرأنا في الشاهنامه أن منصب الملك في إيران تولته النساء مرارا . وبعضهن معدودات من خير ملوك هذه الدولة . وكن يعاملن الناس بالعدل . ولكن هذا الرجل الذي يريد اليوم أن يملك علينا لا هو رجل ولا هو امرأة . ولو كان رجلا أو كان امرأة لما أوقع في الناس هذا الظلم . فكل رجل فيه صفات الرجولة ، وكل امرأة فيها صفات الأنوثة . وهذا الرجل لا له صفات الرجولة ولا صفات الأنوثة . وبدلا من أن تكون أنت ، رضا قلي خان ، ملك هذه البلاد ، يريد هذا المخنث أن يحتل مكان ملوك إيران الماضين « . وأول من وصف آقا محمد خان « بكلمة » مخنث « هو » محمد قلي خان الأبيض « هذا . ثم درجت بعد ذلك على الألسنة والأقلام . وقال « محمد قلي خان الأسود » : « إن ملك إيران حلة تليق بقامتك . وأنت من هو أهل لأن يضع تاج ملك إيران على رأسه ، لا رجل خصي » . وقد غضب « رضا قلي خان » حين وصف « محمد قلي خان الأبيض » أخاه بالمخنث . ولكن غضبه لم يلبث أن خمد حين مناه « الأسود » بالملك . وكذلك احتمل منهما اتهامهما أباه باغتصاب أملاكهما ، لهذا السبب . وتبين اللاريجانيان من تغاضبه عما قالاه في شان أبيه وأخيه أن تمنيتهما له بالملك قد راقت له . فتابعا إغراءه . وقال له « الأبيض » منهما إن آقا محمد خان ، وإن يكن هو أكبر إخوته وأحقهم بخلافة أبيه ، ليس أهلا لذلك لأنه ناقص الخلقة ، لا يعد رجلا بين الرجال ولا امرأة بين النساء . ومثله لا يجوز الشرع الإسلامي أن يتملك على الناس ، لأن الحاكم يجب أن يكون راشدا وهذا لا يعد راشدا . ولو استطاع التملك بالقهر والغلبة فإنه لن يجد بين علماء الشرع من يعترف له بحقه في التملك . وقطعا له عهدا بان ينصراه إذا خرج على أخيه وطلب الملك لنفسه . وما زالا به حتى أقنعاه بالخروج . وانضم إليهما كردي اسمه « أبدال خان » ، وهيا الثلاثة جيشا من ألفي جندي . وكان مع « رضا قلي خان » ثلاثمائة جندي ، وساروا بهم إلى « بار فروش » مازندران حيث يقيم « آقا محمد خان » . ولم يكن يتوقع مثل هذا الهجوم ، ولذلك كان غير مستعد للدفاع ، فاستطاع جيش أخيه « رضا قلي خان » المهاجم احتلال « بار فروش » بسهولة . وحاصروا بيت « آقا محمد خان » واضطروه إلى التسليم . وكان بين ضباط الكتيبة التي رافقت « رضا خان قلي خان » يوم أرسله « آقا محمد خان » إلى « لاريجان » لاعتقال « محمد قلي خان الأبيض » و « محمد قلي خان الأسود » ضابط اسمه « حاجي خان حلال خور » من أهالي محلة اسمها « بندقي » ، وقد سبقت عنده يد من « آقا محمد خان » إذ أنقذه مرة من الموت ، وما زال يحفظ له هذا الجميل . فالتمس من « رضا قلي خان » أن يكون مع الذين يرسلهم لاعتقال « آقا محمد خان » ، وهم « أبدال خان » الكردي وجماعة من رجاله . وكانت غاية « حاجي خان حلال خور » حماية « آقا محمد خان » من الأذى . فقبل « رضا قلي خان » التماسه وهو يجهل غايته . وبعد اعتقال « آقا محمد خان » استطاع « حاجي خان حلال خور » أن يقنع « رضا قلي خان » بان يعهد إليه بحراسة « آقا محمد خان » في محبسه . وجعل معه عشرة مسلحين يقومون لحراسته . وحين خلا « حاجي خان حلال خور » باسيره عاهده على أن لا يدخر وسعا في حمايته والذب عنه . وكان « رضا قلي خان » يريد الإبقاء على حياة أخيه وسلامته ، لا يقتله ولا يعميه ، بل يكتفي بحجزه في مكان منعزل . إلا أن اللاريجانيين ، الأبيض والأسود ، كانا حريصين على قتله . فاعطيا « أبدال خان » الكردي