حسن الأمين
226
مستدركات أعيان الشيعة
عسكره ، وعدته خمسة وعشرون ألفا ، غير سبعمائة جندي ، وقتل أيضا « خسرو خان » نفسه . وكان ذلك في سنة ( 1116 ه ) . فأرسلت الحكومة الإيرانية بعده « محمد زمان خان » ، فقتل أيضا في هذه الحرب ، أو مات حتف أنفه . وزادت هذه الانتصارات « مير ويس » قدرة على قدرة ، وأصبح حاكما على « قندهار » حكما كاملا مستقلا مقتدرا . ولم تستطع الحكومة المركزية أن تصنع شيئا . ثم توفي بعد ثماني سنوات من حكمه في سنة ( 1120 أو 1121 ه ) . ( 1 ) وخلفه من بعده أخوه « عبد الله » ، وقيل اسمه « عبد العزيز » ، فأراد الدخول في طاعة الحكومة المركزية ، ولكن رؤساء « غلجائي » لم يقبلوا . وبعد انقضاء سنة من حكمه كان « مير محمود » ابن « مير ويس » قد بلغ الثامنة عشرة من عمره ، فحرضوه على قتل عمه فقتله وخلف أباه في حكم « قندهار » سنة ( 1122 ه ) . وكان محمود هذا ومشاوروه على اطلاع كامل على أوضاع بلاط الشاه سلطان حسين وأحواله ، عارفين بما يشغل أولياء الأمور فيه ، أولئك الأولياء الفاسدين ، وأن أبعد شيء عن خواطرهم هو الاهتمام بحفظ مملكتهم وحراسة حدودها وثغورها . وإذ كان « مير محمود » ينوي احتلال إيران والاستيلاء على أصفهان ، فقد بدأ بالقضاء على منافسيه واحدا واحدا . وكان منهم « أسد الله خان » رئيس قبيلة « أبدالي » . ( 2 ) وكان هذا أيضا قد خرج على الحكومة المركزية ، واستخلص مدينة « هرات » من يد عمال الشاه سلطان حسين وفصلها عن إيران ، وأصبح حاكما مستقلا متسلطا عليها . فغزاه « مير محمود » وحاربه وقتله . وأراد محمود أن يخدع الحكومة المركزية ، فأرسل ، بعد قتله « أسد الله خان » ، رسالة إلى الحكومة المركزية تظاهر فيها بأنه إنما فعل ما فعل خدمة منه الدولة ، وأنه يعد نفسه أحد رعاياها المطيعين ، حتى أنه عبر عن نفسه في الرسالة بكلمة « كلب الشاه » إذ ضمنها هذا المصراع « كلب الشاه قد افترس الأسد » . وصدق المسؤولون في الدولة كلامه ، وأرسلوا إليه جوابا على رسالته ومرسوما بتثبيته وسيفا مرصعا ، وخاطبوه في الجواب باسم « حسين قلي » ( 3 ) ولقبوه بلقب « الصوفي الصافي الضمير » . ومن ثم اطمان خاطر أولياء الأمور في أصفهان من جهة « مير محمود » واستمروا ، كدأبهم ، في الغفلة وإهمال أوضاع المملكة . وفي تلك السنة ( 1122 ه ) استولى محمود على « سيستان » . أما بلاط الشاه سلطان حسين فقد كان يومئذ تحكمه الدسائس والخلافات والأغراض الشخصية ، حتى عجز رجاله عن اتخاذ قرار معين واحد . فان اتخذ فريق قرارا نقضه فريق آخر . والشاه في كل حال لا ينفك يردد « يقع ما هو مقدر » . وبعد احتلال محمود لسيستان سار في سنة ( 1123 ه ) قاصدا أصفهان من طريق كرمان ويزد بثمانية آلاف جندي ، وقيل عشرون ألفا ، وقيل أربعون ألفا . وإذ لم يجد في طريقه حائلا ولا رادعا فقد تابع التقدم حتى بلغ في أواخر تلك السنة حوالي أصفهان . وفي السنة التي بعدها احتل « جلفا » ، وقطع على الأصفهانيين طرق التموين كلها . ثم دخل قصر « فرحآباد » . وتقاطر الناس إلى المدينة من الأطراف حتى اكتظت أصفهان بالسكان فوقعوا نتيجة حصار المدينة في ضيقة عظيمة وأعوزهم الطعام وفشا فيهم المرض ، حتى مات أكثرهم من الجوع ومن المرض ، ولم يبق فيها غير قليل من الناس . وكان « طهماسب ميرزا » ابن الشاه سلطان حسين وولي عهده قد فر من أصفهان حين حوصرت وذهب إلى قزوين يطلب المدد . ولكن لم يصل منه خبر إلى أبيه . ومن ثم أيقن الشاه سلطان حسين أنه أصبح غير قادر على شيء . واضطر إلى التسليم ، فخرج من أصفهان مع جماعة من البلاطيين وذهب إلى « فرحآباد » حيث يقيم محمود . وهناك نزع التاج عن رأسه ووضعه على رأس محمود . ودخل هذا أصفهان بعد ما فعل فيها الأفاعيل وجلس على أريكة الملك باسم الشاه محمود في مكان الشاه إسماعيل والشاه عباس الكبير ، بسبب تفاهة الشاه سلطان حسين وسخافته وفساد الرؤساء وخيانتهم . وأصبح شاها على قسم من إيران وبلاد الأفغان . ويقول كثير من المؤرخين إن « طهماسب ميرزا » ولي العهد أقام لنفسه عرسا في قزوين في مساء ذلك اليوم الذي استسلم فيه أبوه ! وأمر محمود ، بعد الاحتفال بتنصيبه ، بسجن الشاه سلطان حسين في إحدى العمارات الملكية . وظل مسجونا ست سنوات ، وسجن أبناءه وعددهم 39 أميرا ، وقيل 31 ، وسجن من الرؤساء ورجال البلاط 114 رجلا . وفي أواخر أيام حكمه قتلهم كلهم . وتغيرت حال محمود ، ذلك الرجل الشجاع المحارب الجريء السفاح ، واختلت شؤونه في تلك الحقبة ، في أواخر أيام ملكه ، حتى بلغ به الأمر إلى أن جن جنونا شديدا ، لكثرة ما قاسى من مشقات العمل وما سفك من دماء . وارتاى كبراء قبيلة « غلجائي » نصب « مير أشرف » ابن عمه « مير عبد الله » وليا للعهد ، فلم يقبل محمود ولكنهم خالفوه واستدعوا « مير أشرف » من « قندهار » ونصبوه وليا للعهد . وبعد انقضاء بضعة أشهر من ولايته قتل ابن عمه محمودا انتقاما لأبيه « مير عبد الله » الذي سبق أن قتله محمود . وجلس على العرش باسم « أشرف سلطان » . وكانت مدة ملك محمود سنتين وسبعة أشهر وسنة يوم قتل 27 سنة أو 21 أو 33 أو 34 على خلاف في أقوال المؤرخين .
--> ( 1 ) يقع قبره خارج مدينة « قندهار » ، وهو اليوم مزار يقصده الناس . ( 2 ) قبيلة « غلجائي » وقبيلة « أبدالي » هما أكبر القبائل الأفغانية . وكانت بينهما عداوة شديدة في تلك الأيام . ( 3 ) « قلي » معناها « عبد » أو « خادم » . كان شاهات إيران يمنحونها لقبا مضافا إلى أسمائهم لمن يريدون تكريمه واعتباره من خواص الشاه وأقرب المقربين إليه . ومعنى اللقب : خادم حسين . أو : عبد حسين .