حسن الأمين
202
مستدركات أعيان الشيعة
فامتنع في بادئ الأمر من القبول ، ثم قبل بشروط . وفي اليوم التالي عاد إلى طهران . وفي يوم 24 فروردين سنة 1303 ه . ش . حضر المجلس النيابي مع وزرائه وعرفهم إلى المجلس ، وكان أحد هؤلاء الوزراء ضابطا قوزاقيا . بعد الوزارة الثانية وارتاى فريق من النواب المخلصين أن يصلحوا ما بين البلاط ورئيس الوزارة « رضا خان » بشرط أن يتعهد هذا بالإطاعة وتجنب ما يسيء إلى البلاط . ووافقت أكثرية النواب على هذا الاقتراح ، وقررت إرسال « الدكتور مصدق » إلى ولي العهد « محمد حسن ميرزا » ليعرض عليه الاقتراح . وبعد المذاكرة قبل ولي العهد بالمصالحة . وفي الليلة التالية ذهب « الدكتور مصدق » و « رضا خان » إلى البلاط واجتمعا بولي العهد . ثم تركهما « مصدق » وخرج من القصر . ولم يعرف ما دار بينهما من حديث في تلك الليلة . وظل « رضا خان » محافظا على رابطته بالقصر بصورة حسنة . ثم تقرر أن يعود الشاه إلى إيران وبدأ بمعاملة السفر ، ثم توقف . وقيل إن رسولا أرسل إليه وأبلغه أن عودته مشروطة بشروط عليه أن يقبلها . وأن الشاه أجاب بان تنازله عن العرش خير له من قبول هذه الشروط . ثم لم يعد بعدها قط إلى إيران . وكانت تركيا مطمئنة إلى حكم القاجاريين في إيران راغبة في استمراره . إذ كان عهدهم عهد صفاء وسلام بين الدولتين . وفيه توقفت الحروب التي كانت لا تنفك ناشبة بينهما في عهود من سبقهم من الأسر المالكة . وكانت تحسن الظن بسياسة « أحمد شاه » . فلما وقعت حوادث الثاني فروردين سنة 1303 ه . ش . وأصبح الشاه في وضع حرج وبرزت صعوبات تمنع عودته إلى إيران رأت الحكومة التركية أن من مصلحتها أن تساعده بتسهيل طريق عودته . فأرسل « مصطفى كمال » وزير خارجيته « رشدي آراس » إلى باريس ليعرض على « أحمد شاه » مساعدة تركيا له بتجنيد حوالي ثلاثين ألفا من أكراد تركيا يرافقونه من كردستان تركيا إلى كردستان إيران ومنها إلى طهران بعنوان حرس مشيع من قبل الحكومة التركية . فشكره « أحمد شاه » ثم قال له : ليس في استطاعتي قبول هذا العرض إذ ليس من عادة القاجاريين أن يحصلوا على التاج والعرش ويحتفظوا بهما بيد غير يدهم . وفي يوم 16 فروردين سنة 1303 ه . ش . توفي في باريس « محمد علي شاه » ملك إيران السابق المخلوع أبو « أحمد شاه » . وأبلغ نبا وفاته إلى إيران ، ما قامت الحكومة مجلس فاتحة رسميا له في مسجد الشاه يومي 20 و 21 فروردين سنة 1303 ه . ش . وكان حضور الناس هذه الفاتحة يدل على أن الآثار السيئة التي تركها في نفوسهم تصرف « رضا خان » يوم الثاني من فروردين [ ] 1303 عند المجلس النيابي ما زالت تملؤهم حقدا . ومن ثم كانت هذه الفاتحة مظاهرة ولاء ضخمة للشاه وتحد ل « رضا خان » . أقبل الناس جموعا غفيرة من كل الطبقات يشاركون فيها حتى اكتظ بهم المسجد وساحته - وهو من أكبر مساجد طهران - وامتلأت الأزقة والأسواق المتصلة به بالوافدين . وكان مظهر التحدي ل « رضا خان » واضحا في الجمهور . فحين حضوره إلى الفاتحة لا يكترث به أحد . بل كانوا لا يفسحون الطريق للدخول إلى المسجد فيضطر إلى سلوك الطريق محشورا بينهم ، أو يصيح بهم غاضبا يطلب إفساح الطريق له . وكان خطيب الفاتحة أحد مشاهير الوعاظ في طهران معروفا بالجرأة وجهارة الصوت . وكان يضمن خطبته تعريضات ب « رضا خان » وتأييدا للشاه . وبعد انقضاء مجلسي الفاتحة اقترح النواب المعارضون ل « رضا خان » على المجلس النيابي إرسال برقية تعزية إلى « أحمد شاه » باسم المجلس . ولكن النواب المؤيدين ل « رضا خان » المعارضين للشاه انقصوا عدد النواب الحاضرين إلى ما دون النصاب فتعطل الاقتراح . وفي أواخر سنة 1303 ه . ش . استطاع « رضا خان » أن ينتزع من الشاه منصب القيادة العليا للقوات المسلحة . وهو منصب يختص به ، في العادة ، رئيس الدولة الذي هو الشاه . واستمرت الصحف المؤيدة ل « رضا خان » في تنديدها بالقاجاريين وأنصارهم ، وأطلقت لها حرية القول بما تشاء . واشتدت المراقبة والتضييق على الصحف المعارضة . بل أن نشرات الأخبار اللاسلكية السوفياتية دأبت على التنديد بمعارضي « رضا خان » وصحافتهم ووصفهم بالرجعيين ( 1 ) إذ كان رجال الدين والتجار معادين له موالين للشاه . واشتد التضييق على الصحف المعارضة حتى اضطر أصحابها إلى التحصن في المجلس النيابي . ويومئذ أذاعت نشرة الأخبار اللاسلكية السوفياتية هذا الخبر في 8 تموز سنة 1924 م الموافق 17 تير سنة 1303 ه . ش . بعنوان » اضطرابات دينية في إيران « هكذا :
--> ( 1 ) بعد استيلاء « رضا خان » على عرش إيران تبينت الحكومة السوفياتية أن تأييدها له يوم كان رئيسا للوزارة ويوم حاول القيام بالانقلاب الجمهوري كان خلاف مصلحتها . وأن مندوبيها في طهران قد انخدعوا يومئذ به ، فكانت تزكيتهم له في تقاريرهم خطا حوكموا عليه وحكم عليهم بالقتل عقابا لهم . ومنهم « شومياتسكي » سفير الاتحاد السوفياتي في طهران أيام وقائع الانقلاب الجمهوري . يقول أبو القاسم لاهوتي الشيوعي التائب الذي مر ذكره فيما تقدم من الحواشي - يقول في مذكراته عن تلك الأيام في الصفحة 41 : « على أن رضا خان بعد أن تسلم العرش وفرض الحكم الدكتاتوري في البلاد أي من الضروري إعادة النظرة في سياسته مع روسيا . وقد أدى فجاة إلى نشوء اختلاف شديد بين أعضاء الكومنترن في موسكو فيما يتعلق بسياسة الاستعمار ، وبلغ هذا الاختلاف حدا لم يشهد له مثيل منذ عام 1927 وما بعده طوال حكم ستالين . وقد عكست جريدة برافدا ومجلة نوى فستوك على صفحاتها آراء مختلفة في هذا الصدد . فكان » فياسانف « يعتقد بان تسلم رضا خان زمام الحكم قد أدى ليس إلى إحباط الانقلاب الاجتماعي المطلوب فحسب وإنما إلى بقاء العناصر التي أوجدت نظام ملوك الطوائف واستمرارها أيضا ، وأن رضا خان نفسه يعتبر خادما من خدام الاستعمار البريطاني . وكان ( فياسانف ) يصر على أن روسيا يجب أن تقضي على هذا النظام بواسطة أحداث انقلاب بين الفلاحين باي شكل كان ثم يشير الكاتب إلى وجود معارضين كثيرين لرأي « فياسانف » وأن ( رأس كل نيكف الذي كانت معلوماته بسيطة عن الجمهورية السوفياتية في ( كيلان ) كتب مقالا في جريدة ( برافدا ) أشار فيه إلى أن جيش رضا خان مؤلف من رجال يفوق مستوى معلوماتهم مستوى الفلاحين ولهذا ينبغي أن نعتبر حركة رضا خان انقلابا برجوازيا موفقا من وجهة النظر الروسية . ثم يقول لاهوتي في الصفحة 81 : « علمنا مؤخرا أن أحد الفروع كان قد أرسل عددا من المهندسين الفرنسيين والألمان إلى إيران لاستطلاع حالة الشيوعية هناك . وكانت نتيجة التحقيق الذي قام به هؤلاء أن رضا خان عدو الشيوعية اللدود ، وأنه هو نفسه الذي يحول دون منح أية إجازة لتأسيس الجمعيات وليس باستطاعة أية جريدة أن تنتقده . وكنا جميعا متفقين على أن رضا خان لا يكتفي باتباع الأساليب الدكتاتورية كمن سبق من الملوك القاجاريين وإنما يفوقهم ويمتاز عليهم بتطبيقه وسائل التعذيب المتبعة في روسيا كالانتحار الاجباري والسجن لأجل غير مسمى والنفي والابعاد وما إلى ذلك « .