حسن الأمين
192
مستدركات أعيان الشيعة
إبعاد المومسات عن العاصمة في ليلة التاسع من رجب سنة 1340 ه . ق . الموافق 18 إسفند سنة 1300 ه . ش . وقعت حادثة غريبة في طهران . فقد حضر اثنان من موظفي السفارة الإنكليزية إلى مجلس هياته لهما اثنتان من مومسات طهران في منزلهما وعرف بذلك الحراس الليليون القريبون من المنزل . وكان دخول الإفرنج إلى بيت امرأة إيرانية ممنوعا . فكبس الحراس المنزل . ولما عرفوا هوية الرجلين أطلقوهما ، وأحضروا المومسين إلى دائر الشرطة فاوقفوهما . وما حل الصباح حتى كان الخبر قد عم طهران ، وثارت ضجة استنكار شديدة وقامت مظاهرات . وذهبت جماعة من الأهالي إلى منزل أحد المراجع الدينيين النافذين وطلبوا إقامة الحد الشرعي على المومسين . فكتب المرجع إلى « رضا خان » يطلب إقامة الحد الشرعي عليهما . فبادر « رضا خان » إلى إجابة طلبه وأمر بإقامة الحد . فاحضرتا إلى إحدى الساحات العامة وجلدهما ضابط قوزاقي جلدا شديدا . ثم أبعدتا إلى خارج طهران ، وصودر أثاث منزلهما ، وكانتا متمولتين ، ونقل إلى ثكنة القوزاق . ثم أصدر « رضا خان » أمرا بابعاد جميع المومسات إلى خارج طهران . وظل هذا الحادث حديث الطهرانيين مدة طويلة . واكسب « رضا خان » شعبية وحمدا بين الناس . وبادرت الحكومة الإنكليزية إلى استدعاء الموظفين المذكورين من إيران . استقالة « مشير الدولة » أعقبت هذه الوقائع حركة مدبرة ترمي إلى زعزعة الوزارة وتشويه سمعة « أحمد شاه » . فقد انتشرت شائعة بان الشاه حمل معه إلى أوروبا قدرا كبيرا من الجواهر الملكية . واستجوب بعض النواب رئيس الوزارة في هذا الموضوع وقالوا إن ثبت هذا الأمر فرئيس الوزارة مسؤول عنه . فأجاب هذا بان الاستجواب يقتضي تشكيل لجنة للتحقيق . وشكل المجلس لجنة من خمسة نواب ومندوب عن وزارة المالية . وقد تبينت هذه اللجنة بطلان الشائعة وفي 18 شعبان سنة 1340 ه . ق . خطب النائب « [ صياء ] ضياء الواعظين » في أحد نوادي طهران فهاجم الحكومة والمجلس النيابي والشاه ، ودعا الناس إلى الثورة على الحكومة . وانتشرت شائعات بان الشاه قد خلع نفسه من العرش . ونشرت جريدة تناصر « رضا خان » خبرا نقلته عن جريدة إنكليزية بان « أحمد شاه » ينوي الاستقالة من منصبه . وقبل ذلك ، في الخامس عشر من رجب سنة 1340 ه . ق . وقعت مشادة بين أحد النواب ورئيس الوزارة ثم بين رئيس المجلس ورئيس الوزارة ، وغادر هذا المجلس النيابي غاضبا وذهب إلى بيته وقد عزم على الاستقالة . ولكن جماعة من النواب ، ومعهم « رضا خان » ذهبوا إلى منزله وأقنعوه بالانصراف عن عزمه . وأراد « رضا خان » وزير الحربية أن يدعم مكانه ويرد على ما سبق أن رماه به معارضوه من نقد وتشهير في الصحف وما اتهمه به المتحصنون من مخالفات للقانون ، وأن يثبت للمراقبين قوته وشعبيته فأوعز إلى رجال من خاصته بالسعي إلى جمع تواقيع من كل الطبقات على بيان بتأييده وتم له ما أراد وحصل على عشرات من التواقيع أشاد أصحابها بخدماته وإخلاصه في سبيل الوطن ودين الإسلام . وطبع البيان ووزع في 1 شعبان سنة 1340 ه . ق . الموافق 9 فروردين سنة 1301 ه . ش . ونشرته بنصه الكامل جرائد تؤيد « رضا خان » . وفي 22 شعبان سنة 1340 ه . ق . الموافق 30 فروردين سنة 1301 ه . ش . تجمع الناس بتحريض من أنصار « رضا خان » في ساحة وزارة العدلية على رجل صعد شجرة وأخذ يندد برئيس الوزارة « مشير الدولة » وأعمال الحكومة على نحو تهريجي تمثيلي استجلب خواطر الناس ، فتكاثروا حوله وثارت ضجة واسعة وعجز الحرس عن إسكاته وتفريق المجتمعين وقام مؤيدوا « رضا خان » في نواحي أخرى من المدينة بمظاهرات معارضة لرئيس الوزارة . وكان ذلك كله أمارة على أن « رضا خان » يمهد الطريق للوصول إلى رئاسة الوزارة . ومن جهة ثانية تابع خطته في قمع الحريات وإسكات الصحف المعارضة له بالتهديد والوعيد . وكان « مشير الدولة » رئيس الوزارة غير راض عن تفاقم نفوذ « رضا خان » وتعاظم قوته . ومثله كثيرون من رجال السياسة والصحفيين وغيرهم . ولكنهم كانوا عاجزين عن مقاومته ، إذ كانت كل الظروف الخارجية والداخلية مؤاتية له ، وفي مقدمتها سيطرته التامة على الجيش . وفي 20 شعبان سنة 1340 ه . ق . الموافق 29 فروردين سنة 1301 ه . ش . ذهب جماعة من رجال السياسة والصحفيين المعارضين لوزير الحربية إلى المجلس النيابي ، وعقدوا فيه اجتماعا وألقوا خطبا عنيفة طالبوا فيها بالغاء الحكم العسكري وإنفاذ القانون الأساسي وعزل « رضا خان » من مناصبه ، وأعلنوا بعزمهم على التحصن في دار المجلس النيابي حتى يجابوا إلى مطالبهم وشجعهم رئيس الوزارة « مشير الدولة » ورئيس المجلس . وأمر هذا موظفي المجلس بتعهدهم بتهيئة كل لوازمهم من طعام وغيره على نفقة المجلس في مدة تحصنهم كلها . وأهم تحصنهم « رضا خان » فأرسل إليهم رسولا يقنعهم بمغادرة المجلس . وتردد الرسول بينه وبينهم أكثر من مرة . وتوسل إلى إقناعهم بالوعد والوعيد ، حتى أنه توعدهم مرة بالقتل فلم يذعنوا . وثبتهم « مشير الدولة » وأفهمهم أنه مقدم على الاستقالة وأن المرشح لخلافته في رئاسة الوزارة هو « قوام السلطنة » وأن هذا سيامر حين تولية المنصب بالغاء الحكم العسكري وإنفاذ القانون الأساسي ، وحينئذ يغادرون المجلس وكرامتهم محفوظة . وقد وفى « قوام السلطنة » حين تولى رئاسة الوزارة بهذا الوعد وأرسل إلى المتحصنين رسالة رسمية تتضمن عزمه على إجابة طلبهم . ولكن « رضا خان » عارضه فلم يستطع إنفاذ أمره . وفي 26 شعبان سنة 1340 ه . ق . الموافق 15 أرديبهشت سنة 1301 ه . ش . خطب النائب « ضياء الواعظين » في أحد نوادي طهران فانتقد « مشير الدولة » ومدح « رضا خان » . فرد عليه خطيب آخر فدافع عن « مشير الدولة » وندد ب « رضا خان » وجر الكلام إلى مشاجرة بين الحاضرين . ثم اندفع نحو من مائة رجل خارجين من النادي وقصدوا إلى المجلس النيابي . فأغلق الحرس أبوابه في وجوههم . ولكنهم هددوا بان يلجاوا إلى السفارة الروسية أو تفتح أبواب المجلس . فاضطر الحرس إلى فتحها . ودخل المتظاهرون إلى ساحة المجلس ، فأطلقوا هتافات وألقوا خطبا معارضين بها وزارة « مشير الدولة » ثم خرجوا .