حسن الأمين
189
مستدركات أعيان الشيعة
أكانت الطريقة التي اختارها هؤلاء لمقاومة الفساد خاطئة أم مصيبة فقد كانوا شرفاء في مقاصدهم ، محبوبين عند الناس . وقد استعملت في محاربتهم والتنكيل بهم وسائل دنيئة ، من الغدر بعد التأمين والتمثيل بالجثث . ومن ثم عم الأسف عليهم . وروى الشعراء « محمد تقي خان » خاصة بقصائد شجية . ونشر أحد الصحفيين في هذا الموضوع مقالة أغضبت وزير الحربية « رضا خان » فأمر اثنين من جنود القوزاق إذ كان الحكم العسكري لا يزال قائما ، بالذهاب إلى إدارة تلك الجريدة واعتقال صاحبها . [ فاعتقلواه ] فاعتقلوه وجاؤا به إلى ثكنة القوزاق . فجعل « رضا خان » يشتمه شتما قبيحا ثم أمر بجلده فجلد حتى أغمي عليه مرتين . ثم أمر بحبسه في إصطبل الدواب . وعلى أثر هذه الحادثة أقدم جماعة من الصحفيين على الاعتصام في السفارة الروسية والمجلس النيابي مطالبين بإنفاذ القانون الأساسي . تعديل الوزارة ووقع الخلاف بين رئيس الوزارة « قوام السلطنة » ووزير الحربية « رضا خان » ، كما كان متوقعا . والسبب الأول هو استنكاف رئيس الوزارة عن الرضوخ لمحاولات « رضا خان » فرض سيطرته المتزايدة على الوزارة وإصرار هذا على أن يكون هو المهيمن على كل الأمور . وكان مما يجمع بينهما مؤقتا عداوتهما المشتركة للضابط « محمد تقي خان » فلما قضي عليه انفصم ما بينهما من جامع وعادا إلى التصارع . وكان كل منهما عنيدا صعب المراس . وزاد في حرج رئيس الوزارة اعتراضات عليه من بعض النواب فعزم على الاستقالة في يوم 20 من شهر المحرم سنة 1340 ه . ق . الموافق 31 شهريور سنة 1300 ه . ش . ولكن « أحمد شاه » تدارك الأمر لكيلا يتنحى « قوام السلطنة » عن منصبه إذ كان هو وحده من يراه أهلا لمعارضة « رضا خان » وتقصير يده . فدعاهما إليه وأصلح بينهما . وسعى هذا المسعى أيضا نائب رئيس المجلس النيابي السيد حسن المدرس ونواب آخرون . وبقي « قوام السلطنة » في رئاسة الوزارة مع تغيير بعض الوزراء . وثابر « رضا خان » على تقوية جيشه وزيادته حتى أصبحت عدة القوزاق حوالي ثلاثين ألف جندي يأتمرون بأمره . وسعى إلى السيطرة على كتيبة الشرطة فنقل بعض ضباط القوزاق إلى سلك الشرطة ونقل بعض ضباط الشرطة إلى سلك القوزاق . فكان هذا العمل مقدمة للسيطرة التي يسعى إليها . وقد أفاده بعد ذلك فائدة كبيرة . نهاية « الميرزا كوشك خان » بعد تثبيت الوزارة وتعديلها تابع « رضا خان » حملاته لقمع المتمردين في الولايات ، فوفق فيها كلها . وبقي عليه القضاء على الحكومة التي أقامها « الميرزا كوشك خان » في الشمال . وكانت الحكومة المركزية في عهد وزارة « مشير الدولة » وفي عهد وزارة « قوام السلطنة » هذه تفضل معاملة هذا الثائر بالمفاوضة والمصالحة نظرا لمكانته وشعبيته وحسن نواياه . فاستانفت ما بدأه « مشير الدولة » من المفاوضة وكلفت السفير السوفياتي « رتشتين » بمساعدتها على ذلك ، إذ سبق أن كان « الميرزا كوشك خان » على صلة بالبلاشفة ، فأجاب السفير طلبها وأرسل إليه رسالة مطولة نصحه فيها بالمصالحة وتقوية الحكومة المركزية . وأجابه « الميرزا كوشك خان » برسالة استجاب فيها لطلبه وتقرر أن يوفد مندوبا عنه إلى رشت لمفاوضة وزير الحربية « رضا خان » ، وكان قد حضر إلى رشت قبلا . وكذلك كان قد أرسل إليها فرقة من القوزاق . فلما حضر مندوب « الميرزا كوشك خان » أمر « رضا خان » باعتقاله وأرسله مخفورا إلى طهران . وبذلك انقطعت المفاوضات ووقعت الحرب بين الطرفين . وفي رواية تاريخية أخرى أن « الميرزا كوشك خان » انهزم في معركة وقعت بينه وبين القوزاق في نواحي رشت ووجد نفسه عاجزا عن متابعة المقاومة . فأرسل جماعة من رجاله إلى وزير الحربية يعلمه بعزمه على التسليم والدخول في طاعة الحكومة . فتلقاهم « رضا خان » بالرعاية والمودة وأنه حاضر لاستقبال « الميرزا كوشك خان » بالتامين والعفو والاحترام . بل وعد بان يمنحه رتبة عسكرية عالية ويضع في قيادته وحدة عسكرية صغيرة . ولكن بعض رجال « الميرزا كوشك خان » غرروا به فهاجم أحد مواقع القوزاق قبل أن يتم هذا الاتفاق . وبذلك انقطعت المفاوضة . والمتفق عليه هو أن معركة وقعت يومئذ بين « الميرزا كوشك خان » وجند القوزاق في محلة اسمها « بسيخان » في نواحي رشت . وتغلب فيها القوزاق على « الميرزا كوشك خان » وتفرق عنه رجاله . وكان بين رجاله اثنان من كبار خاصته وجندي ألماني اسمه « كايوك » أحبه وأعجب به . فاما أحد الرجلين فلجا إلى الاتحاد السوفياتي . وأما الثاني فاستسلم إلى الحكومة . وأما « الميرزا كوشك خان » فأبى أن يلجا إلى الاتحاد السوفياتي وأبى أن يستسلم إلى الحكومة وفضل أن يلجا إلى أحد رؤساء العشائر . وأبى الجندي الألماني أن يتخلى عنه وظل ملازما له . وذهبا معا في جبال « طالش » ( بلاد في إقليم جيلان ) ليلجأ إلى رئيس العشيرة . ولكن الثلوج زحمتهما فماتا دنقا في 2 ربيع الثاني سنة 1340 ه . ق . الموافق 11 بهمن سنة 1300 ه . ش . وعمر « الميرزا كوشك خان » يومئذ 42 سنة . وقطع فرسان « طالش » رأس « الميرزا كوشك خان » وأرسلوه إلى رشت ، ودفن الجسد حيث مات . وأرسل الرأس إلى طهران وطافوا به مرفوعا في شوارعها . ثم دفنوه في المقبرة العامة . وأسخط هذا العمل الناس وبعث في نفوسهم الكراهية لمن قاموا به . وبعد مدة أخرج جماعة من الأحرار المعجبين بهذا الثائر العظيم جسده ورأسه من مدفنيهما ودفنوهما معا في « سليمان داراب » حسب وصيته . سيطرة الحكم العسكري في 22 من شهر المحرم سنة 1340 ه . ق . أصدر حاكم طهران