حسن الأمين

186

مستدركات أعيان الشيعة

إيران والإقامة في أوروبا . وأعلن بعزمه هذا في اليوم السابق ليوم الاحتفال بذكري تتويجه الذي أقيم في 27 شعبان سنة 1339 ه‍ . ق . الموافق 16 أرديبهشت سنة 1300 ه‍ . ش . وحاول الطباطبائي ثني الشاه عن عزمه إذ كان في سفره هذا إحراج له ، فلم يوفق ، فاستنجد بالسفير الانكليزي ليقنع الشاه بالعدول عن السفر . وكان في جملة ما قاله السفير للشاه أن أوضاعهم لا تمكنهم من توفير أسباب الأمن للشاه في إنكلترا . فقال له الشاه لا أطلب منكم توفير شيء من أسباب الأمن ، ولا بد من السفر . فقال له السفير : لعلك تنوي التنازل عن العرش ؟ فقال الشاه : نعم ! فقال السفير : ولما ذا لا تعلن بتنازلك هنا في إيران ؟ فقال الشاه : هنا لا أستطيع أن أذكر أسباب إقدامي على التنازل . أما في أوروبا فاستطيع أن أعلم الدنيا بأسبابه . وإذ ألح السفير على الشاه في طلب معرفة الأسباب قال له الشاه : السبب إنما هو تدخلاتك في شؤون إيران . فاهم هذا الجواب السفير الانكليزي ، واضطر إلى الرضوخ والموافقة على استقالة السيد « ضياء الدين الطباطبائي » . ولكنه طلب من الشاه تكليف قائد الجيش « رضا خان » بتشكيل الوزارة الجديدة . فرفض الشاه وقال : الأفضل أن يبقى كما هو وزيرا للحربية . وبهذا تحرر الشاه شيئا ما من السيطرة الإنكليزية . وعزم عزما قاطعا على عزل السيد « ضياء الدين الطباطبائي » . وفي 16 رمضان سنة 1339 ه‍ . ق الموافق 3 خرداد سنة 1300 ه‍ . ش كان جمهور كبير من الأهالي مجتمعين في مسجد الشاه ، وهو من أكبر مساجد طهران ، كعادتهم إذ يجتمعون في المساجد أيام شهر الصيام . فاغتنم جماعة فرصة اجتماعهم ليحولوه إلى مظاهرة معارضة لحكومة الطباطبائي . وصعد بعض رجال الدين وغيرهم المنبر وانتقدوا الحكومة وسياسة إنكلترا انتقادا شديدا . وحمسوا الحاضرين ، وكانوا حوالي ثلاثة آلاف فأخذوا يصيحون مكررين هذا الهتاف : نرفض السيد ضياء الدين . . . كان في طباع الطباطبائي عجلة وغرور واستبداد بالرأي . وكان رفاقه من الوزراء والحاشية ضعفاء منقادين إليه لا يحسنون نصحه . وكان بحكم ميوله السياسية يعادي السوفيات ويصانع الإنكليز . ولكن سعيه في هذه السياسة كان بعيدا عن اللباقة والنضج والروح الدبلوماسية . وحمل هذا السلوك السوفيات على الحذر منه . من ذلك أن السفير السوفياتي طلب منه أن يبقى المندوب الإيراني الذي استقبله باسم الحكومة الإيرانية عند الحدود وصحبه إلى طهران في معيته بضعة أيام أخرى . فأجابه الطباطبائي بان في سفارتكم معاونين إيرانيين أكفاء فارجع إليهم ولا حاجة بك إلى غيرهم . وكان الطباطبائي قد واطا اثنين من هؤلاء المعاونين على أن يكونا جاسوسين له على السفير ينقلان إليه أخبار السفارة . فاستاء السفير السوفياتي من هذا التصرف . وكان قبل ذلك شكا من التشويش الحاصل في أوضاع الحكومة ، التشويش الذي حيره في معاملاته الرسمية . ونقل السفير إلى الشاه ما يلقاه من جفاء في معاملة الطباطبائي له . وكان الشاه أيضا يخالف مثل هذا السلوك . وأرسل السفير الإيراني في موسكو إلى الشاه ينبهه إلى خطا هذه السياسة ويعرفه باستياء المسؤولين السوفيات من تصرفات الحكومة الإيرانية وينصحه بتغيير الوزارة . ومن ثم كان لموقف السوفيات أثر في زعزعة حكومة السيد « ضياء الدين الطباطبائي » وتصميم الشاه على تنحيتها . وفي 30 أرديبهشت أو أول خرداد سنة 1300 ه‍ . ش . حضر السيد « ضياء الدين الطباطبائي » إلى القصر الملكي ليجتمع بالشاه . فدخل إلى غرفته والسيكارة بين شفتيه وجلس قبل أن يأذن له الشاه بالجلوس . فغضب الشاه واستدعى أحد رجال القصر وأمره قائلا : انزع هذه السيكارة من فم هذا السيد وألق بها بعيدا . ففعل ثم أمر الشاه الطباطبائي بالانصراف فانصرف . وكان هذا اللقاء آخر لقاء بينهما . ثم استدعى الشاه قائد الجيش « رضا خان » . فلما حضر روى الشاه الواقعة وعقب بقوله : ليس في الإمكان بعد اليوم مداراة هذا الرجل ومسالمته . لقد مللت . فأجابه « رضا خان » بقوله : كنا نحسب أن تصرفاته لا تخالف رغبة الملك . أما ، إذ تبين الآن أنها على غير ما يهوى صاحب الجلالة ، فليأمر جلالته يطع . فما أنا إلا جندي مطيع أضع سيفي في تصرفه كلما أمرني . فقال له « أحمد شاه » : اذهب وهيئ لوازم سفر السيد ضياء إلى خارج البلاد . وفي يوم 17 رمضان سنة 1339 ه‍ . ق . الموافق 4 خرداد سنة 1300 ه‍ . ش ، أي ثاني يوم مظاهرة مسجد الشاه ، أصدر « أحمد شاه » مرسوما بعزل السيد « ضياء الدين الطباطبائي » من رئاسة الوزارة . وفي صباح ذلك اليوم نفسه ذهب « رضا خان » وفي معيته بضعة ضباط وبضعة جنود من القوزاق ، إلى بيت السيد « ضياء الدين الطباطبائي » وسيق مع بضعة رجال من رفاقه مخفورين إلى قزوين . واعتقل فريق آخر منهم في طهران . وختم باب مكتب الطباطبائي في دار الحكومة ومكاتب سائر الوزراء بالشمع الأحمر . ومن قزوين سيق الطباطبائي إلى الحدود . ومن هناك تابع سفره إلى بغداد ومنها إلى البصرة فالمحمرة فاوروبا . وتولى الإنكليز تهيئة وسائل سفره إلى أوروبا فأرسلوا من مرفا « بوشهر » الإيراني إلى المحمرة سفينة حربية كانت لقنصليتهم في « بوشهر » نقلته إلى أوروبا . وفي المحمرة نزل ضيفا على القنصل الانكليزي وندم « رضا خان » بعد سفر الطباطبائي على أنه خلى سبيله ولم يعتقله . فأرسل إلى قزوين برقية يأمر فيها بمنعه من السفر واعتقاله ، وأرسل أحد رجاله من طهران ليعود به إليها ولكن « أحمد شاه » رفض أن يعتقل وأمر بان لا يتعرض له أحد . فأبرق « رضا خان » إلى قزوين بالغاء أمره الأول . وانتهى الأمر بالسيد « ضياء الدين الطباطبائي » إلى النفي من إيران بعد أن ظل في رئاسة الوزارة ثلاثة أشهر . وزارة « قوام السلطنة » وكلف « أحمد شاه » اثنين من رؤساء الوزارة السابقين بتشكيل الوزارة فرفضا . ورشح لها وزير البلاط الحالي فرفضته السفارة الإنكليزية وسئل السفير السوفياتي فقال رأينا ما يرتئيه الشاه ولا اعتراض لنا على من يختاره لرئاسة الوزارة . ثم قر الرأي على تكليف « قوام السلطنة » بتشكيلها وكان مسجونا بأمر السيد « ضياء الدين الطباطبائي » . فاستدعى الشاه أحد أمراء البيت المالك وأمره بالذهاب إلى سجن « قوام السلطنة » وإبلاغه الأمر الملكي بتكليفه بتشكيل الوزارة ، مع التنبيه إلى وجوب اجتنابه الاستسلام إلى سياسة