حسن الأمين
178
مستدركات أعيان الشيعة
« مهرآباد » قريبا من طهران . وكان السيد « ضياء الدين الطباطبائي » قد أعلن هناك أيضا أن الضابط « رضا خان » هو من الآن فصاعدا رئيس كتيبة القوزاق وهو قائدها العسكري . فتلقى ضباط القوزاق وجنودهم هذا الاعلام بالحماسة والهتاف . وشكل « السبهدار » وفده من ضابطين إنكليزيين ومعاون في هياة الوزارة ، انطلقوا إلى « مهرآباد » . وهناك تلقاهم حرس القوزاق القائم على مداخل المعسكر . وجرى حوار بين الطرفين لم يحصل منه الوفد على نتيجة ولا تمكن من مقابلة المسؤولين عن الجيش ، فعاد إلى طهران وأطلع رئيس الوزارة على ما جرى . ووجد هذا نفسه في مازق لا مخرج منه ، وأهمته نفسه حتى أنه فكر في الفرار ، وقيل إنه التجأ إلى السفارة الإنكليزية . وفي منتصف الساعة الثامنة من تلك الليلة جاءت إلى معسكر القوزاق في « مهرآباد » أيضا سيارتان تحمل إحداهما مندوبين ، مندوب من قبل الشاه ومندوب من قبل رئيس الوزراء ، والأخرى تحمل مندوبين من قبل السفارة الإنكليزية جاؤوا يحاولون ثني قيادة القوزاق عن عزمها على دخول طهران . وطلبوا مقابلة القائد العام . ( 1 ) ولكن السيد « ضياء الدين الطباطبائي » جعلهم ينتظرون ساعة كاملة . فقد كان المقرر أن يتحرك القوزاق إلى طهران في تمام الساعة التاسعة . فأراد الطباطبائي تأخير المقابلة إلى ما قبيل هذه الساعة فلا يتسع الوقت الفاصل بين بدء المذاكرة وموعد الحركة لاستكمال الحوار بين الوفدين و « رضا خان » ، إذ يحل الموعد ويتحرك الجيش قبل انتهاء المذاكرة والوصول إلى نتيجة ، فيضع الوفدين في الأمر الواقع . بل يضع « رضا خان » نفسه أيضا في الأمر الواقع إذا حدثته نفسه بان يلين لهم . وكان قد لقن « رضا خان » ما عليه أن يقوله جوابا على خطاب الوفدين . فلما حانت الساعة التاسعة ، والمذاكرة لا تزال جارية ، أمر السيد « ضياء الدين الطباطبائي » حامل البوق بان يؤذن الجيش بالتحرك ، ففعل . وتحرك الجيش والمذاكرة لا تزال دائرة لما تنته بعد ، وسبق السيف العذل . . وسار الجيش القوزاقي إلى طهران . تحرك الجيش قاصدا طهران وبقي السيد « ضياء الدين الطباطبائي في » مهرآباد « يحتجز رجال الوفدين لا يسمح لهم بالعودة إلى طهران زاعما أنه لا يأمن عليهم الطريق إذ هي مشغولة بالجنود ويخشى أن يتعرض لهم أحد بسوء . وأصر وفد السفارة الإنكليزية ، وهو يتالف من ضابطين كبيرين ، على طلب السماح له بالعودة ليحول دون إراقة الدماء إذا أقدمت حامية طهران على المقاومة ، ولكن الطباطبائي رفض السماح له . وفيما هم في ذلك إذا برضا خان يعود إلى « مهرآباد » ويخبر الطباطبائي بان رجالا من حامية طهران تلقوهم عند مدخل المدينة وأبلغوهم أنهم مأمورون بمنعهم من دخول العاصمة . وأنه عاد ليسأل ما هو تكليفه . فلم يتردد الطباطبائي وأمره فورا بالمقاومة ومقابلة القوة بالقوة . وظل الطباطبائي يحتجز مندوبي الشاه ورئيس الوزراء ومندوبي السفارة الإنكليزية إلى الساعة الحادية عشرة من الليل . وحينئذ أذن للانكليزيين بالعودة بعد أن أخبره رسل « رضا خان » أن جيش القوزاق احتل طهران بلا مقاومة . واستبقى لديه مندوب الشاه ومندوب رئيس الوزراء . وفي تلك الليلة ، في « مهرآباد » خلع السيد « ضياء الدين الطباطبائي » العمامة عن رأسه واعتمر « الكلاه » وغير زيه ، زي رجال الدين . ( 2 ) احتلال طهران ثم احتلال القوزاق لطهران حوالي منتصف الليل بلا مقاومة مع أن حامية طهران من الدرك والشرطة كانت كافية يومئذ لصدهم عن العاصمة . بل كانت قادرة على حصارهم وأخذهم أسارى ، إذ كانوا متعبين مكشوفين . لكن ضباط الدرك من السويديين كانوا قد واطاوا المهاجمين على التسليم . وكان فريق من فرسان الدرك مع القوزاق الذين زحفوا من قزوين إلى طهران . وعند منتصف الليل ترك السيد « ضياء الدين الطباطبائي » محلة « مهرآباد » قاصدا طهران ليلحق بالجيش الفاتح . فركب سيارة وركب إلى جانبه أحد ضباط القوزاق . وأركب المندوبين المحتجزين ، مندوب الشاه ومندوب رئيس الوزراء ، في سيارتهما وجعلها وراء سيارته ، ووراءهم مائة جندي من القوزاق ومائة جندي من الدرك وساروا الهوينا إلى طهران . ونحو طهران ترجل السيد « ضياء الدين الطباطبائي » من السيارة وركب حصانا وسار بموكبه إلى ثكنة القوزاق . وهناك أطلق سراح المندوبين المحتجزين بعد أن احتجزهم مدة في الثكنة . ثم اختلى ب « رضا خان » وأحد كبار ضباط القوزاق . وبعد قليل دخل عليهم جندي قوزاقي يؤذن « رضا خان » بان الأمير « عبد الحسين ميرزا » المشهور بلقب « فرمان فرما » ( 3 ) يطلب مقابلته ، وأراد « رضا خان » أن يستقبله ولكن السيد « ضياء الدين الطباطبائي » منعه وأمر الجندي بصرفه ، فانصرف خائبا . وكان هذا الأمير أراد الالتجاء إلى السفارة البريطانية خوفا من مكروه يصيبه ولكنه وجد القوزاق على باب السفارة فمنعوه من دخولها . وكان الشاه ساعتئذ يقيم في قصر محلة « فرحآباد » خارج المدينة . وسد المحتلون مداخل المدينة كلها وأقاموا عليها جندا أمروا بان لا يسمحوا لأحد بالخروج منها . ثم أرادوا إيذان الطهرانيين باحتلالهم العاصمة فأطلقوا
--> ( 1 ) من ألاعيب السياسة أن الإنكليز هم الذين هياوا لانقلاب ، وهم الآن يتظاهرون بمخالفته . ولو كان الإنكليز غير راضين عن حركة جيش القوزاق لما استطاع هذا الجيش الخروج من قزوين ، وهم المسيطرون عليه ، بل هم المسيطرون على كل شيء في قزوين حتى أسماء شوارعها وأزقتها - كما قال مؤرخ فرنسي - وليس يعقل أن يخرج هذا الجيش الضخم منها وهم غافلون . ولو كانوا على غير علم بنوايا جيش القوزاق لما استعدوا قبيل حركته لملء مراكزه التي ستخلو منه بجنودهم ، فاستقدموا إلى قزوين ثلاثة آلاف منهم لهذه الغاية ( عددهم بمقدار عدد جنود القوزاق الزاحفين ) ، ولا استقدموا إلى [ مدنية ] مدينة كرج نجدة احتياطية من جنودهم لتكون مددا للانقلابيين حين ورودهم إلى طهران إذا اقتضى الأمر . ( 2 ) كان أبو الطباطبائي من العلماء رجال الدين ، وكان ابنه هذا معمما في سلك رجال الدين . ( 3 ) من الأمراء القاجاريين ، صهر « مظفر الدين شاه » . وزير ورئيس وزارة سابق . من أصحاب الرتب العسكرية العالية . تولى عدة مرات منصب الولاية . وكان مدة واليا على « كرمانشاه » وكان « رضا خان » ، وهو في هذه الولاية ، أحد رجال حرسه الخاص مدة سنتين . فله به معرفة سابقة . وكان « فرمان فرما » مواليا للانكليز . فهو والطباطبائي من هذه الجهة في خط واحد . وقد سبق أن أثنى الطباطبائي على سياسته ووطنيته في جريدته « رعد » .