حسن الأمين

171

مستدركات أعيان الشيعة

الأجنبية ، وذلك باعتراف إيران بحكومة الانقلاب البلشفي وإقامة علاقات دبلوماسية بينها وبين بلاده . وبذلك يحصل على مراعاة السوفيات لحكومته بتوقفهم عن مساعدة حركات التمرد القائمة في نواحي من إيران ( 1 ) فيتفرغ للعمل على الخلاص منها بالقوة أو بالمصالحة . وعرض الفكرة على « أحمد شاه » فوافقه عليها . ثم أوعز « مشير الدولة » إلى سفير دولته في استنبول بالسفر إلى موسكو لمفاوضة المسؤولين فيها على هذا الموضوع ، فسافر إليها في 2 مرداد سنة 1299 ه‍ . ش . ( 2 ) ووقع اقتراح « مشير الدولة » من نفوس المسؤولين السوفيات موقعا حسنا واستقبلوا المندوب الإيراني استقبالا وديا فخما . وأرسل المندوب الإيراني من موسكو إلى حكومته تقريرا يفيد أنه وفق إلى الحصول على موافقة الروس البلاشفة على أساس لمعاهدة تعقد بين الدولتين . وهذا الأساس كله يتفق ومصلحة إيران . ومن ذلك إصدار السوفيات أمرا باسترجاع جميع القوى التي كانوا قد أرسلوها إلى شمال إيران لمساعدة الثوار . ووقع إقدام « مشير الدولة » على اتخاذ هذا التدبير وقعا سيئا في نفوس الإنكليز ، إذ رأوا أن إقامة مثل هذا التوازن بينهم وبين السوفيات قصر بهم عن التمكن من فرض معاهدة سنة 1919 م أو فرض بديل لها على الإيرانيين . ثم أراد ( مشير الدولة ) القضاء على الثورات في نواحي إيران وكان أهمها ثورة الشيخ محمد الخياباني ( 3 ) في تبريز وثورة « الميرزا كوشك خان » ( 4 ) في جيلان وكانت ثورة هذا بريئة غايتها رفع الفساد وترسيخ الحياة الدمقراطية . ولكن الشيوعيين المحليين والبلاشفة القادمين من « بادكوبا » اندمجوا فيها وحاولوا الانحراف بها عن غايتها . وكل ما كان لدى إيران يومئذ من القوات المسلحة هو ثمانية آلاف جندي من القوزاق ( 5 ) وثمانية آلاف وأربعمائة جندي من الدرك . واستطاع

--> ( 1 ) في أواخر أيام رئاسة « وثوق الدولة » للوزارة ، في شهر أرديبهشت ( الشهر الثاني من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية ويقابله نيسان وأيار ) سنة 1299 ه‍ . ش . ضربت البوارج البحرية البلشفية مرفاي « غازيان » و « أنزلي » الإيرانيين على بحر قزوين بالقنابل . وفي أواسط شهر خرداد ( الشهر الثالث من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية ) من تلك السنة أنشا شيوعيو جيلان ، بمساعدة عناصر غريبة مشبوهة لجنة باسم « لجنة الثورة الحمراء » . وحالفوا التأثر « الميرزا كوشك خان » . وأعلنوا بقيام « حكومة جيلان الاشتراكية » وشكلوا هياة « مفوضي الشعب » ( الوزارة ) وأمدوها بالمعونة وقد عجزت حكومة « وثوق الدولة » عن قمع هذه الثورة يومئذ . وكان عجزه عن ذلك أحد أسباب استقالته . هذا وقد انقلب « الميرزا كوشك خان » على حلفائه هؤلاء وانفصل عنهم بعد ذلك لما تبين له سوء نواياهم . وستأتي تفاصيل أخرى عن الميرزا كوشك خان . ( 2 ) الشهر الخامس من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية ، يقابله تموز وآب . ( 3 ) رجل دين ورع شجاع من خيرة علماء أذربيجان وأدبائها ، انتخب نائبا في المجلس النيابي الثاني الذي انتخب بعد خلع « محمد علي شاه » سنة 1327 ه‍ . ق . واعتقله العثمانيون إذ احتلوا تبريز سنة 1337 ه‍ . ق . وأرادوا ضم أذربيجان إلى أرضهم فقاومهم ، وحبسوه في « أرومية » . وبعد جلائهم عن تبريز أطلقوا سراحة . كان « الشيخ محمد الخياباني » من رؤساء « الحزب الديقراطي » في أذربيجان . وانتهت إليه رئاسة جميع المعارضين هناك المتظلمون من جور الحكام . وحين تولى « وثوق الدولة » رئاسة الوزارة وعقد معاهدة 1919 م عزم على حل هذا الحزب في أذربيجان وقمع رؤسائه إذ كانوا هم المؤهلين للنيابة عن أذربيجان وهم معارضون يحسب حسابهم . فثاروا وهاجموا إدارات الحكومة كلها واحتلوها وطردوا الوالي « محمد حسن ميرزا » ، وهو أخو الشاه وولي عهده . وكانت ولاية أذربيجان من أول حكم [ القاجاويين ] القاجاريين يختص بها ولي العهد . وانضم إلى الثوار رئيس الشرطة . وأنشأ الخياباني حرسا مسلحا متحد اللباس . وظلوا مسيطرين على تبريز ستة أشهر . وغيروا اسم أذربيجان فجعلوه « آزاديستان » ( أرض الحرية ) . بل قيل إنهم أصدروا طابعا بريديا بهذا الاسم . وفي هذه الأثناء استقال « وثوق الدولة » وشكل الوزارة « مشير الدولة » فحاول مدة طويلة مصالحة الخياباني سلما فلم يفلح أصر الخياباني على رفض تعيين وال لأذربيجان من قبل الحكومة المركزية . فأرسل « مشير الدولة » واليا من قبله مع كتيبة مسلحة ، فهاجموا مراكز [ فوات ] قوات الخياباني وتغلبوا عليها ، وقتل الخياباني ، وقيل إنه انتحر . واختلفت الأقوال فيه . منهم من قال إنه انفصالي ، وكان هو ينكر هذه التهمة أشد الإنكار . ومنهم من قال إنه يساري متأثر بالأفكار الاشتراكية . ومنهم من جزم بأنه قاوم الدعايات الشيوعية والشيوعيين أشد مقاومة وأنه بريء من اليسارية . ولكن الجميع متفقون على علو مكانته في العلم والمعرفة . مجمعون على خلوص نيته ونبل غايته . وكان لا ينفك يردد بان غايته إنما ترسيخ قواعد الحياة النيابية الدستورية ، وإعلاء شان إيران ، وإنصاف الأذربيجانيين . ( 4 ) اسمه « يونس » ابن « الميرزا بزرگ » ، واشتهر باسم « الميرزا كوشك خان » . من أشهر الشخصيات الإيرانية في ذلك العهد ومن أطيبهم سمعة . ولد سنة 1298 ه‍ . ق في رشت . مثقف تلقى قسطا من التعليم الديني . مسلم متدين راسخ الايمان . وطني طاهر الذيل . شجاع خبير بالفنون العسكرية . ذكي سريع الخاطر حازم . شارك في حركة المطالبة بالنظام النيابي الدستوري مشاركة فعالة وجرح في إحدى معاركها جرحا بليغا . وفي سنة 1333 ه‍ . ق . في أوائل الحرب الكونية الأولى ، أجاب دعوة حزب إسلامي جديد اسمه « اتحاد إسلام » ، وأقام في رشت يشتغل بإنشاء فروع له . وسلح جماعة جعلهم جيشا له . حارب الإنكليز والروس المحتلين مدة طويلة . وأتعبهم . وبعد الانقلاب البلشفي الذي وقع في روسيا أراد البلاشفة استغلاله فساعدوه وحالفوه . ولكنه لم يلبث أن انقلب عليهم إذ تبين له سوء نواياهم . أنشا في جيلان مدرسة عسكرية اجتمع فيها جماعة كبيرة من الشبان يتعلمون الفنون العسكرية ، وأقام في جيلان حكومة بعنوان جمهورية . وكان على قيادة جنده ضابط ألماني اسمه « فون باسشن » ويقوم بتدريبه عسكريون نمساويون . وصحبه أيضا عسكري ألماني اسمه « كايوك » أعجب به وأحبه كثيرا . استمرت حكومة « الميرزا كوشك خان » وحروبه إلى سنة 1340 ه‍ . ق ، أيام وزارة « قوام السلطنة » إذ أتيحت الفرصة لمصالحته مع مراعاة كرامية وشعبيته الواسعة ، وقد عمت إيران كلها . ولكن حدث سوء تصرف أفسد خطة المصالحة هذه . قيل إن سوء التصرف صدر عن « كوشك خان » نفسه ، إذ هاجم موقعا حكوميا في أثناء المفاوضة . وقيل إن وزير الحربية « رضا خان » ( الذي أصبح بعد ذلك رضا شاه بهلوي ) غدر به بعد أن أمنوه وأن للانكليز ضلعا في ذلك . واضطر « الميرزا كوشك خان » إلى إلقاء السلاح ، فصرف رجاله . وكان في معيته إيرانيان من كبار مساعديه . فاما أحدهما فلجا إلى الاتحاد السوفياتي ، وأما الآخر فاستسلم إلى الحكومة المركزية . وأما « الميرزا كوشك خان » فقد أبى أن يلجا إلى الاتحاد السوفياتي وأبى أن يستسلم . وذهب في جبال « تالش » ( بلاد في إقليم جيلان جنوبي بحر قزوين . وهي اليوم تابعة للاتحاد السوفياتي ) ليلجأ إلى أحد رؤساء العشائر . وأبى صديقه الألماني « كايك » أن يتركه فانطلق معه . ولكن زحمتهما الثلوج والعواصف بين الجبال فماتا دنقا في الثاني من ربيع الثاني سنة 1340 ه‍ . ق الموافق 11 بهمن [ ] 1300 ( الشهر الحادي عشر من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية ) ، وعمر « كوشك خان » يومئذ 42 سنة . واحتز فرسان « تالش » رأس « الميرزا كوشك خان » وأرسلوه إلى رشت ودفنوا الجسد حيث مات . ومن رشت أرسل الرأس إلى طهران . فطافوا به في شوارعها . وبعث هذا العمل الدنيء الغضب والنفرة في نفوس الناس . ثم دفنوه في إحدى المقابر العامة . وبعد مدة أخرج فريق من الأحرار المعجبين به الرأس والجسد من [ مفدفنيهما ] مدفنيهما ودفنوهما معا في « سليمان داراب » حسب وصيته . ( 5 ) إنشاء كتيبة القوزاق الإيرانية امتياز منحه « ناصر الدين شاه » لروسيا سنة 1299 ه‍ . ق . و 1882 م ، على أن تكون في إمرة ضباط من الروس . وقد سببت هذه الفرقة لإيران متاعب كثيرة ، وكانت وسيلة فعالة من وسائل الروس للسيطرة على إيران . ولكنها في عهد « مشير الدولة » أصبحت ، مع كتيبة الدرك ، وسيلة الحكومة الإيرانية إلى إقرار الأمن ، وانقطعت صلتها بروسيا بعد الانقلاب البلشفي . وكان على قيادتها في عهد « مشير الدولة » ضابط روسي اسمه « الكولونيل إستار ولسكي » . وكانت موزعة أفواجا في طهران وقزوين وهمدان وتبريز .