حسن الأمين

159

مستدركات أعيان الشيعة

المسؤول عن سياستها في الشرق الأوسط . وكانت السيطرة على الشرق الأوسط وتوجيه سياسة بريطانيا فيه حتى ذلك الوقت موزعة بين وزارات « الخارجية » و « الهند » و « الحرب » ، مما كان يؤدي إلى كثير من الارتباك والتضارب في وجهات النظر . وقد أدى ازدياد الاضطرابات وتفاقم المشكلات في أنحاء العالم العربي إلى ضرورة التخلي عن هذا الأسلوب ، وإناطة مسؤولية المنطقة بوزارة واحدة وباشراف وزير واحد ، وقد وجد أن هذه المسؤولية أقرب إلى مهام وزارة المستعمرات من غيرها من الوزارات ، فتقررت إناطتها بها ، واحداث دائرة جديدة فيها تختص بشؤون المناطق التي هي تحت الانتداب . وتقرر أيضا نقل وزير الحرب « ونستن تشرشل » وزيرا للمستعمرات ، خلفا ل « اللورد ميلنر » الذي كان يعتزم اعتزال منصبه . وقد تسلم تشرشل مسئولياته الجديدة في إعادة تنظيم السياسة البريطانية في الشرق الأوسط بحماسة ونشاط ، وأحاط نفسه بمجموعة من أكفاء الموظفين والخبراء في شؤون المنطقة ، وتمكن أيضا من اقناع « لورانس » بان يكون مستشارا له في الشؤون العربية . وقرر تشرشل فور تسلمه منصبه الجديد أن يجتمع بمثلي بريطانية وقادتها العسكريين في الشرق الأوسط ، واستطلاع آرائهم في موقف بريطانيا وسياستها الجديدة ، ومباحثتهم في الترتيبات المالية والعسكرية للمناطق التي أصبحت تحت الانتداب البريطاني ، فعقد المؤتمر الذي عرف بمؤتمر الشرق الأوسط أو مؤتمر القاهرة ، في القاهرة أولا ( في 2 آب آذار 1921 ) ، واستمر اثني عشر يوما ، ثم انتقل إلى القدس في 23 منه ، حيث بحث موضوع فلسطين وشرق الأردن بصورة خاصة ، ودعي ( الأمير ) عبد الله لحضور بعض اجتماعاته . وكان الغرض الرئيسي لمؤتمر القاهرة ، كما وصفه تشرشل فيما بعد ، هو الحفاظ على سيطرة بريطانية قوية ، وبأقل ما يمكن من النفقات . وفيما يتعلق بالعراق وضعت في المؤتمر الخطط اللازمة لنقل مسؤولية الدفاع عنه من الجيش إلى القوة الجوية ، كما رسمت الخطوط الرئيسية للمعاهدة التي سيجري التفاوض بشأنها مع حكومة العراق المقبلة . أما في موضوع رئاسة الدولة الجديدة التي ستقام في العراق ، فقد وجد المؤتمر من الضروري أن تصدر عن بريطانية مبادرة تعين الاتجاه الذي تفضله . وعلى الرغم من أن ترشيح فيصل لرئاسة الدولة الجديدة كان قد أصبح أمرا مقررا تقريبا ، فقد تم الاتفاق في المؤتمر على أسلوب الاتصالات الشكلية التالية التي يجب إجراؤها مع فيصل ، وكيفية مفاتحة عبد الله بنية الحكومة البريطانية في تأييد ترشيح فيصل ، لأن الأمير عبد الله ، الذي سبق أن رشح في « المؤتمر العراقي » في دمشق لعرش العراق كان يتوقع إسناد بريطانية لهذا الترشيح . ( 1 ) ولما انتهت مباحثات فيصل في لندن ، واجتماعات مؤتمر القاهرة ، وتقرر مبدئيا أن يرشح فيصل نفسه لعرش العراق ، طلب إليه أن يذهب إلى الحجاز ، ويبعث بترشيحه من هناك ، ثم يذهب إلى العراق . فسافر إلى القاهرة أولا ومنها إلى الحجاز ، وأحاط والده علما بنتائج مباحثاته في لندن ، ثم توجه إلى العراق عن طريق الخليج فالبصرة . وقد عاد معه رستم حيدر من لندن ورافقه إلى الحجاز فالعراق . ولكن مذكرات رستم حيدر - أو ما بأيدينا منها - تنقطع في آخر يومية كتبها في 25 آذار 1921 ، أي قبل مغادرته لندن بمعية فيصل ببضعة أيام . رستم حيدر في العراق رئيس الديوان الملكي : وصل رستم حيدر إلى العراق يوم 23 حزيران 1921 ، على الباخرة « نورث بروك » التي كانت تقل الأمير فيصل من الحجاز . وكان رستم حيدر سكرتيره الخاص . وكان يرافق فيصلا عدد من زعماء الثورة العراقية الذي فروا من وجه الإنكليز . وكانت هذه هي المرة الأولى التي يطأ فيها رستم حيدر أرض البلد الذي قدر له أن يعمل فيه ، ويصبح مواطنا من مواطنيه ، ويتسلم فيه أعلى المناصب ، ثم يلقى حتفه مقتولا بيد أحد أبنائه ، ويدفن في ثراه ، بعد ذلك بعشرين عاما . وبقي رستم حيدر سكرتيرا خاصا لفيصل بعد تتويجه ملكا ، ثم أصبح رئيسا للديوان الملكي إضافة إلى سكرتير الملك . وقضى رستم حيدر في منصبه الخطير الحساس تسع سنوات كان خلالها أقرب مستشاري فيصل إليه ، وأكثرهم تمتعا بثقته ، وكاتب خطبه وتصريحاته ، وكاتم أسراره . فكان بهذه الصفة من أقوى موجهي سياسة الدولة العراقية الفتية . ويروى أن أحد أقطاب المعارضة سال الملك فيصل الأول : كيف تسنى له أن يقف على كل صغيرة وكبيرة من سلوك السياسيين في البلد - كما يبدو من أحاديثه مع نخبتهم - فأجاب الملك : إن واجب الراعي هو أن يسهر على أمانته ، وإذا فاتني شيء فعندي حيدر ، فما شعرت أنه أغفل أمرا مما يضطرم في تيار السياسة ، ولا تواني لحظة في اطلاعي عليه . ( 2 ) ويظهر مدى النفوذ الذي كان رستم يتمتع به من عبارة قالها الملك فيصل الأول في أحد الأيام للسفير البريطاني في مقابلة خاصة بينهما جرت في 17 آذار 1933 ، كانا يبحثان خلالها الوضع السياسي في العراق ، ونقل السفير ما دار فيها بتقرير بعث به إلى وزارة الخارجية . قال فيصل للسفير : « إنه يود أن يرى فيما إذا كان رجال البلد يستطيعون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم حقا . فقد كانت الحكومة خلال السنوات الأخيرة عبارة عن دكتاتورية ثلاثة أشخاص : نوري ، ورستم ، وهو نفسه . وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية . . . » . ( 3 ) رستم حيدر وزيرا ألف نوري السعيد وزارته الأولى في 23 آذار 1930 ، وكان وزير

--> ( 1 ) محاضر اجتماعات مؤتمر الشرق الأوسط في القاهرة والقدس محفوظة مع وثائق وزارة الخارجية البريطانية - الإضبارة رقم 6343 ( 371 . F . O ( 2 ) رفائيل بطي ، « في ذكرى رستم حيدر » ، مقالة في جريدة ( البلاد ) ، العدد 4553 ، السنة 27 ، بغداد 22 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1956 . ( 3 ) تقرير سري من السر فرانسيس همفريز إلى السرجون سايمون ، مؤرخ في 22 آذار 1933 - وثائق وزارة الخارجية البريطانية ( الوثيقة رقم 1724 في الملف رقم F . O 16903 ( 371 ) .