حسن الأمين

141

مستدركات أعيان الشيعة

الفصام المزاجي ) . 5 - الميلانخوليا المراقبة ( ويصفها ابن سينا بنفس أوصاف الخوف من فقدان التوازن العقلي لدى المصابين بالوساوس المرضية ) . وهذا التصنيف كما نلاحظ يكاد يتطابق مع التصنيفات الحديثة للطب النفسي فإذا ما أردنا نقده في ضوء المعاصرة فلا بد أن يراعي النقد مجموعة من النقاط أهمها : إن مرض الفصام لم يعرف ولم يحدد إلا في بدايات القرن العشرين وقبل هذا التاريخ كان العلماء يخلطون بين الفصام والكآبة خصوصا في الحالات التي يكون فيها الفصام من النوع المزاجي حتى أن هذا الخلط لا يزال واردا ، في بدايات المرض ، لغاية اليوم ذلك أن حالات فصامية عدة تبدأ بصورة تدريجية وتتخفى خلف الوساوس أو خلف اضطراب المزاج . وهكذا كان من الطبيعي أن نجد ابن سينا وهو يخلط بين الفصام والميلانخوليا . ب - إن أي اكتشاف علمي يجب أن يستند إلى فكر متعال قادر على تشكيل الفكرة الإبداعية وإن كانت هذه الفكرة لا تظهر إلى حيز الوجود ، محققة الإبداع إلا بعد حصول عملية الاستبصار ومن الأفكار الابداعية لابن سينا في الميلانخوليا تذكر : ربطه بين القامة ولون الجلد ومرض الميلانخوليا : فهو يرى أن الميلانخوليا الصفراوية تقل لدى البيض السمان وتكثر لدى الأدم القضاف . . . ، وهذا ما تشير إليه الأبحاث الحديثة التي تؤكد زيادة نسبة الفصام بين المتطاولين وانخفاضها لدى المربوعين كما تشير إلى ارتفاع هذه النسبة كلما اتجهنا من الغرب نحو الشرق . اعتماده مبدأ الاضطراب المزاجي الفصلي : يسجل ابن سينا ملاحظات عدة تربط بين الميلانخوليا وبين فصول السنة ومن ذلك قوله أن البلغميين ( المنهارين ) هم أصحاب علة تقل في الشتاء وتكثر في الصيف والخريف وقد تهيج في الربيع . . . ومعلوم أن مبدأ الانهيار الفصلي بات يناقش جديا في الأبحاث النفسية ، وإن كانت هذه الأبحاث تشير إلى احتمالات زيادة الانهيار في فصل الشتاء ( وتقترح له علاجا بتعريض المريض للضوء ) وهنا لا بد من أن تأخذ في عين الاعتبار الاختلاف بين صقيع الشتاء وغياب الشمس ( في البلاد التي تجري فيها هذه الأبحاث ) وبين الشتاء الدافىء وشمسه الساطعة في البلدان التي عاش فيها ابن سينا ومرضاه . علاج الميلانخوليا عند ابن سينا يعتمد علاج ابن سينا لحالات الميلانخوليا على طب الأعشاب وتحديدا على بعض وصفات كانت معروفة قبله وأضاف هو بعضها . ولكننا ، قبل مناقشة الاقتراحات العلاجية - الدوائية ، نود مناقشة منهجية العلاج الذي يقترحه ابن سينا والتي تتلخص في أقواله : 1 - « يجب أن يبادر بعلاجه قبل أن يستحكم فإنه سهل الابتداء صعب عند الاستحكام . ويجب على كل حال أن يفرح صاحبه ويطرب ويجلس في المواضع المعتدلة ويرطب هواء مسكنه . . . إلخ » . 2 - « ولا أضر له من الفراغ والخلوة . . فان نفس إعراضهم عن الفكر ( بمعنى إلهائهم عنه ) علاج لهم أصيل . . إلخ » 3 - « يتغير العلاج باختلاف نوع الميلانخوليا . . . إلخ » . 4 - « . . . فالنوم أفضل علاجات الميلانخوليا ويتدارك بما يفيده من الصلاح . . . إلخ » . وتجدر الإشارة هنا إلى أن عددا من الباحثين المعاصرين يميل لاعتبار اضطراب النوم سببا رئيسيا في تعقيد حالة الميلانخوليا وتطورها نحو الأسوأ . وعلى هذا الأساس ينصح هؤلاء باخضاع المريض لدورات نوم ( بحيث يتم تنويمه 20 / 24 ساعة لمدة لا تقل عن أسبوعين ) . ولقد تدعمت هذه الآراء من خلال الدراسات التي تناولت « النوم » . أما عن العلاج الدوائي الذي يقترحه ابن سينا لعلاج الميلانخوليا ( وهي أدوية عشبية بحتة ) فإنه يركز على النارينج ( فاليريانا ) . وهذا العلاج أثبت فاعلية جعلته يفرض نفسه في العيادة الحديثة . وهو ، وأن كان أقل مفعولا من الأدوية الحديثة التي عرفناها منذ مطلع الخمسينات فقط يمتاز عنها لجهة عدم تسببه بالآثار الجانبية التي تسببها الأدوية الحديثة وبخاصة التأثير على القلب أن يلعب النارينج مفعولا علاجيا على عكس العديد من الأدوية الحديثة . كما نذكر نصيحة ابن سينا باستعمال الخشخاش ولكن مع التنبه إلى مضاره . وبلغ اهتمامه ابن سينا بالغذاء . واستخداماته في علاج الميلانخوليا ، ما دفعه إلى تحديد أصناف المأكولات التي تنفع وتلك الواجب تجنبها من قبل المريض . وصفاته في هذا المجال تشبه إلى حد بعيد وصفات الطب التجانسي المعاصر ، ومن أمثلة اهتمامه باستخدام الغداء في العلاج تلك الحيلة التي استخدمها في علاج مريض الميلانخوليا الضعيف الذي كان يظن أنه بقرة . إذ عمد ابن سينا إلى الإيحاء بقناعته بضرورة ذبح المريض - البقرة - ولكنه أجل ذبحه بسبب هزاله واشترط تسمينه حتى يذبحه ، فإذا ما أكل المريض واستعاد عافيته الجسدية تمكن من تخطي أزمته النفسية وشفي . حالة عيادية معالج هذه الحالة هو « أوحد الزمان أبو البركات هبة الله بن علي » الذي عاصر الخليفة العباسي المستنجد بالله وعمل في خدمته ، والحالة تتعلق بابن أحد الأثرياء البغداديين . إذ أصيب بالميلانخوليا وكان يعتقد أن على رأسه جرة لا تفارقه ، فإذا سار فإنه يتحايد المواضع التي سقوفها واطئة ويمشي برفق ولا يترك أحدا يدنو منه حتى لا تقع الجرة عن رأسه . وقد بقي في هذا المرض مدة وأهله في شدة منه . وبعد عرضه على مجموعة من الأطباء نصح أهل الفتى بالاستعانة بالطبيب « أوحد الزمان » ، فقصدوه راجين معالجة ابنهم وباذلين له المال الكثير . وبعد معاينته للمريض قال للأب : « ما أرى لابنك إلا علاجا واحدا أرجو أن ينفعه . سآتيكم في الغد وقد هيات أمرا فإذا دخلت عليك فائتني بابنك برفق وأناة للسلام علي وسترى ما أفعل وعلى الله الاتكال » . وحضر الطبيب في الغد ومعه غلامان . فلما حضر المريض أمر الطبيب أحدهما أن يضرب الجرة بعصاه وكان قد اتفق مع الثاني أن يختفي في مكان في أعلى الدار وأن يرمي من هناك صنارة حتى تبدو وكأنها وقعت عن رأس المريض ، فوقعت الجرة وتناثر حطامها . وعندها القى الطبيب بنفسه على الفتى وراح يعانقه ويمسح رأسه ويقول : الحمد لله . . . الحمد لله . . . لقد كسرت الجرة وأراحك الله منها . . . ثم أمسك بيدي الفتى بسرعة ومررهما