حسن الأمين
131
مستدركات أعيان الشيعة
ثم اختار من شعره عدة قصائد . أما الشوكاني في ( البدر [ للطالع ] الطالع ) ج 1 - 199 فقال : الحسن بن علي بن جابر الهبل اليماني الشاعر المفلق الفائق المكثر المجيد ، ولد سنة 1048 ، وله شعر يكاد يسيل رقة ولطافة وجودة سبك وحسن معاني ، وغالبة الجودة ، وله ديوان شعر موجود بأيدي الناس . وبعد أن اختار قطعا منه قال : وله القصيدة الطنانة التي مطلعها : لو كان يعلم أنها الأحداق يوم النقا ما خاطر المشتاق وكلها غرر لولا ما كدرها من ثلب الأعراض المصونة ، أعراض خير القرون . ولما ارتفعت درجته عند الإمام المهدي أحمد بن الحسن ، وكان كالوزير له قبل الخلافة وتصدى للقعود في دستها توفي سنة 1079 هفيكون عمره إحدى وثلاثين سنة ، ولو طال عمر هذا الشاب الظريف ، ولو لم يشب صافي شعره بذلك المشرب السخيف لكان أشعر شعراء اليمن بعد الألف على الإطلاق ، وأصله من قربة بني ( الهبل ) وهي هجرة من هجر خولان ، ومحله ومحلي ( يقصد شوكان ) ، واحد ليس بينهما مسافة ، بل بينهما من القرب بحيث يسمع كل واحد من فيها كلام الآخر . وختم الشوكاني كلامه قائلا : وقد بالغ صاحب ( نسمة السحر ) في حقه فقال : إنه لم يوجد باليمن أشعر منه من أول الإسلام . و ( 1 ) قد علق الباحث المعاصر أحمد الشامي على كلام الشوكاني قائلا فيما قال : . . . ونحن نعلم أن مثل هذا التعريض البياني لا يخطر ببال من لا يتعصبون لغرض ، أو ينفعلون لهوى عندما يؤرخون أو ينتقذون أو يحكمون . ويقول الأستاذ الشامي أيضا : فقصائد ديوانه ( الهبل ) كلها غرر وإن شابها ما شابها مما لا يرضي الشوكاني من الناحية المذهبية . ورغم هذه النظرة المذهبية سيظل الهبل أشعر شعراء اليمن كما قال الشاعر الناقد يوسف بن يحيى في كتابه القيم ( نسمة السحر ) وهو الأقرب إلى الإنصاف والصواب عند دارسي آداب اليمن . ثم يوالي الأستاذ الشامي الكلام قائلا : وموضوعا آخر أود أن أناقشه مع الشوكاني ، وذلك ما قاله من أن الهبل لما ارتفعت درجته عند الإمام المهدي أحمد بن الحسن وكان كالوزير له قبل الخلافة وتصدى للقعود في دستها توفي ! وأنا لا أدري كيف يصدر مثل هذا القول من مثل الشوكاني ؟ ! ولا أدري من أين استقى هذا الخبر ؟ ! فاستاذ الهبل ومعاصره والذي كان يخاطبه في شعره مخاطبة الوالد لولده القاضي العالم المؤرخ الشاعر أحمد بن صالح ابن أبي الرجال قد حكى لنا في كتابه « مطلع البدور » عن سوء حظه ومحاربة الدهر له ما سبق أن سجلناه ، وصديقه الحميم في الشعر والرأي والمذهب أحمد بن ناصر المخلافي جامع ديوانه ، قد وصف لنا ما كان يعاني من هموم الفقر ، والديوان ، حتى اخترمته المنية شهيد الغم والقهر والوشايات ، وكل ذلك صريح واضح في مقدمة الديوان ، وفي تقديماته لبعض قصائده ، بل والشاعر نفسه قد أعرب عن كل ما يؤكد هذا . فقال في طويلته الدالية التي بعث بها إلى صديقه وجامع ديوانه في شوال سنة 1078 هأي قبل وفاته بحوالي عام . ودهر رماني بالمصائب صرفه وأضنى فؤادي خطبه المتمادي أطال حروبي بالمضرات والأذى ولا طول حرب الحارث بن عباد يحاول إهمالي وإسقاط رتبتي ويسعى حثيثا في خمود زنادي وثقل ديون للورى يا بن « ناصر » يراوحني همي بها ويغادي ملأن فؤادي بالأسى ، وسلبنني رقادي ، وملكن الرجال قيادي فأصبحت رهنا في « أزال » لأجلها وغير « أزال » بغيتي ومرادي ، وإن كان فيها منشاي وولادتي ومسقط رأسي ، فهي غيلا بلادي ! وهي صرخة يأس مدوية لا يمكن أن تصدر من شخص تحسنت حالته ، أو ارتفعت مكانته ، وتصدى للقعود على دست الوزارة كما يقول الشوكاني ويمضي فيقول : وما بلدي إلا الذي فيه أغتدي وعرضي مصون عن مقال أعادي بلاد بها لا أختشي الذل أن غدت علي لأحداث الزمان عوادي أأقعد في قوم أرى الشعر بينهم يباع ببخس ظاهر وكساد لنبهتهم بالمدح للجود والندى فتحسبني حركت صخرة وادي وحركتهم بالشعر في كل ساعة وقد ملئت أجفانهم برقاد إلى آخرها ، ولو ذهبت أدلل وأستكثر بالشواهد لأوردت ثلث الديوان . غير أنه لا بد من التنويه بقصيدته الهمزية التي كتبها إلى صديقه الشاعر العالم السيد أحمد بن محمد الإنسي ولكنه أخرها ولم يطلع عليها الإنسي إلا بعد وفاة الهبل ومطلعها : أذن الندى عن نداء الشعر صماء فليس يجديك إنشاد وإنشاء وفيها سخرية لاذعة ، ونقد قارس للحكام البخلاء ، وتحسر وأسى مثل قوله : ويا مرجى نوالا ، أنت في زمن فيه المكارم والعلياء أسماء إياك إياك ، أن تدلي بسابقة فان ذلك إن حققته الداء ولا تقل إن أردت النجح قد قتلت أمامكم لي أجداد وآباء يقصى المحب ويدنى من عقيدته : نصب ، وجبر ، وتشبيه ، وإرجاء إلى آخرها وهي طويلة وذات مغاز بعيدة ولو تأملها الشوكاني لعرف ما كان يكابده صاحبنا ، بل لو تذكر أن ابن أحمد الآنسي هذا الذي أراد الشاعر أن يبعث بهذه الهمزية إليه ، قد كان مصيره السجن ثم الفرار إلى مكة حيث حاز قصبة السبق في مباراة شعرية ، مع شعراء من سائر الأقطار العربية ، ولما عاد إلى وطنه « جرت له خطوب كثيرة مع المهدي صاحب المواهب » ثم نفاه إلى جزيرة « زيلع » حيث مات هناك سنة 1119 ه . ( وانظر البدر الطالع ص 36 - 37 ج 1 للشوكاني نفسه ) . والذي سيتامل ما ورد في الديوان سيعرف أن مثل الهبل لا يمكن أن ينجح بمبادئه في مثل زمنه ، وإن مصيره كان سيزداد سوءا لو عاش ، ولا سيما وقد كبرت الانحرافات التي كان يتحسبها ، ويحذر منها ، ويدعو إلى
--> ( 1 ) مقدمة الديوان للشامي .