حسن الأمين
108
مستدركات أعيان الشيعة
للعباسيين ، وكانت « هجرة المهدي إلى المغرب ، مفاجأة مذهلة لأخلص رجاله ، وأكبر دعاته لأنهم كانوا على علم بالخطة الأصلية وباهداف الحركة الفاطمية ، ولم يكن من بينها فيما يبدو ، إعلان الخلافة العلوية في أقصى دار الإسلام أي في بلاد المغرب . وتصرفات المهدي بعد إعلان الخلافة الفاطمية في رقادة وإرساله الحملات ضد برقة ، ومصر أكثر من مرة ومجازفته بحياة ابنه أبي القاسم في ميادين بعيدة عنه كانت التزاما بالخطة الأصلية . ( 1 ) وكان رد المهدي على ابنه الذي تردد وخاطب أباه « يا أمير المؤمنين قد خولك الله ، وملكك وأعطاك من الدنيا ما فيه سعة وكفاية فعلا م تغم نفسك ، وتشغل صدرك ، دع هذا حتى يأتي الله به عفوا » ردا حازما وعمليا فقد قبض يده اليسرى وقال : « نعم هذا المغرب في قبضتي هذه ، وبسط اليمين وقال : ولكن كفي هذه من المشرق صفر ، إن ثقل عليك ما أمرتك به ، خرجت له بنفسي » . ( 2 ) ومثل هذا الرد لا يدل على غير الإصرار على مضايقة العباسيين والرغبة في تعبيد طريق المشرق لمن يأتي بعده ، رغم أنه كان يعلم أنه ينطلق من قواعد غير مستقرة ، إلى مناطق يسودها الأمن والاستقرار في ظل ولاة مصر العباسيين ، وأن الخلافة العباسية في هذه الفترة على جانب كبير من القوة تمكنها من الاحتفاظ باراضيها ورد الأخطار عنها ، ( 3 ) لم يشأ ابنه أن يشذ عن الاتجاه العام ، فاستجاب لرغبة أبيه ، رغم اقتناعه بعدم جدوى العمل في هذا الوقت وناضل ضد ولاة العباسيين في مصر بالقلم والسيف ولقي الهزائم المنكرة وقوبل بالسخرية ، ( 4 ) وعير من طرف السكان ، ( 5 ) وكان المهدي يقابل كل ذلك بعدم الاكتراث ، لأنه مقيد بخطة قديمة بانت ملامحها في بلاد المغرب في أول صلاة جمعة دعي له بإمرة المؤمنين » اللهم فانصره على أعدائك المارقين ، وافتح له مشارق الأرض ، ومغاربها كما وعدته ، وأيده على العصاة الضالين « . ( 6 ) واهتمام المهدي وخلفائه بإقليم برقة يدخل في إطار السياسة الشرقية للخلافة الفاطمية . ومن برقة ، انطلقت البعوث الاستطلاعية ضد حدود مصر ، والحملات العسكرية البرية والبحرية لضم أراضيها في الجنوب ، وفي الشمال ، وإليها التجأت العناصر الموالية للفاطميين ، والثائرة ضد ولاة العباسيين في مصر . وأهمية قاعدة برقة ، باب مصر في الاستراتيجية الفاطمية للنضال ضد العباسيين في المشرق ، تماثلها أهمية قاعدتي فاس وطنجة ، باب الأندلس ، للنيل من الأمويين ، ثم صقلية ، وقلورية باب أروبا ، للنشاط الثغري ضد البيزنطيين . ولم يرث القائم بأمر الله عن أبيه ، لقب الخلافة فقط بل أصبح ملتزما بنفس سياسته واتجاهاته الشرقية ، وباقلاق راحة العباسيين من مركزهم في مصر ، غير أنه - بعد أن خبر ميدان الحرب في الجبهة المصرية - كان يميل أيضا لاستخدام أساليب السياسة والدعوة الهادئة لكسب ولاء مصر ، ( 7 ) وجلب ولاتها الإخشيديين للاعتراف بالسيادة الفاطمية ، والتعاون مع الفاطميين جيرانهم في المغرب ، ولذلك أرسل إلى محمد بن طغج الإخشيد الذي أنزل هزيمة منكرة من قبل برجاله ، يطلب منه الاعتراف بالولاء للفاطميين ، بوصفه تابعا وحليفا ، أو جارا صديقا ، إيثارا لجانب السلم بين الجيران وإشاعة لروح المودة والألفة ، والتعاون بينهم ضد الأخطار ، ولم ينس أن يهون عليه مسألة الانفصال عن العباسيين ، باعتبار أن الولاء لهم أصبح عادة تقليدية قديمة ، فضلا عن كونهم لا يقدرون قيمة المخلصين من رجالهم . ولقد تضمنت الرقعة التي كتبها القائم بأمر الله بخطه ولم يطلع عليها أحدا قوله : يخاطب الإخشيد : « قد خاطبتك أعز الله ، في كتابي المشتمل على هذه الرقعة بما لم يجز لي في عقد الدين ، وما جرى به الرسم من سياسة أنصار يستجلبون ، وضمن رقعتي ما لم يطلع عليه أحد من كتابي ، وذوي المكانة عندي . وأرجو أن تردك صحة عزيمتك وحسن رأيك إلى ما أدعوك إليه ، فقد شهد الله على ميلي وإيثاري لك ورغبتي في مشاطرتك ما حوته يميني واحتوى عليه ملكي ، وليس يتوجه لك بالعذر في التخلف عن إجابتي ، لأنك قد استفرغت مجهودك في مناصحة قوم لا يرون إحسانك ولا يشكرون إخلاصك ، يخلفون وعدك ويخفرون ذمتك ، لم يعتقد منهم أحد حسن المكافاة ، ولا جميل المجازاة ، وليس ينبغي لك أن تعدل عن منهج من نصحك وإيثار من آثرك إلى من يجهل موضعك ، ويضيع حسن سعيك ، وأنا أعلم أن طول العادة في طاعتهم قد كره إليك العدول عنهم فإن لم تجد من نفسك معونة على اتباع الحق ولزوم الصدق فإنني أرضى منك بالمودة والأمر والطاعة حتى تقيمني مقام رئيس من أهلك تسكن إليه في أمرك وتعول بمثل ذلك ، وإذا تدبرت هذا الأمر علمت أن الذي يحملني على التطأطؤ لك وقبول الميسور منك ، إنما هو الرغبة فيك ، وأنت حقيق بحسن مجازاتي على ما بذلته والله يريك حسن الاختيار ، في جميع أمرك وهو حسبنا ونعم الوكيل » . ( 8 ) ورغم أن الإخشيد ، تأثر بمضمون الرسالة إلا أنه كان بعيد النظر ، عندما لم يسارع بالإجابة عنها ، واعتذر بأنه أمي ، ومن الصعب عليه نظرا لعلاقاته الخاصة بالعباسيين ، أن يبوح بسر خطير ، لأي كاتب من كتابه ، ( 9 ) قد يستغله عليه . وترك نفسه حر التصرف ، يتأمل أبعاد المشروع الجديد ومكاسبه ، ويبدو أنه مال في فترة ما من صفاء ذهنه ، إلى البقاء على موقف التحفظ ، لأن ارتباطه بالعباسيين يتيح له قدرا كبيرا من الاستقلال بالتدبير ، أما عندما طلع نجم محمد بن رائق الخزري ، وقلده
--> ( 1 ) وقد عبر بعض الباحثين عن بعض أهداف الفاطميين بقوله : إن فتح مصر كان هدفا رئيسيا . ( Objectif principale ) انظر : 340 . Huart op , cit TI , p . ( 2 ) النعمان : المجالس والمسايرات ، 1 ، ورقة 19 - 20 ، وقد كان رد أبي القاسم على أبيه « بل أنفذ لما أمرت به يا أمير المؤمنين وأسارع إليه » . ( 3 ) نفسه ، وقد عبر المعز لدين الله عن نشاط المهدي ضد مصر بقوله : « علم المهدي أنه لا يصل إلى ذلك لكنه أحب الا يضيع الحزم » . ( 4 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 69 ، ومن فرط تأثره نهجو الصولي وتجريحه له قال : والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه أن قدرت وإلا أهلك دونه « ومن هذا القول تتضح الأهداف البعيدة للدعوة الفاطمية . ( 5 ) ابن عذاري : البيان 1 ، 26 ص 18 . ( 6 ) ابن أبي الضياف : إتحاف أهل الزمان 1 ، 122 . ( 7 ) وقد شغله عن مصر ، اضطراب وضع بلاد المغرب ودسائس الأمويين : انظر ، عبد المنعم ماجد ، ظهور خلافة الفاطميين 98 - 100 . ( 8 ) ابن سعيد ، المغرب في حلي المغرب 1 ، 175 وما بعدها ، وعن قصائد القائم ومكاتباته لأهل مصر ليخذلهم عن التبعية للعباسيين ، وانظر عريب بن سعد ، صلة تاريخ الطبري ، 41 - 43 ، ومن ضمنها ما ورد به الصولي على القائم بأمر الله . ( 9 ) نفسه ، 1 ، 176 ، عاشور ، مصر في العصور الوسطى 189 .