حسن الأمين

93

مستدركات أعيان الشيعة

فسادا ، قد شرحه « أردشير » في « عهده » ، يغنينا عن ذكره . وهؤلاء الذين يطالبهم الملك بقصد بابه ، فلهم عليه حق يقتضي تعرف أخبارهم ، وصيانة جاههم ، وترتيبهم في مراتبهم ، واختصاص كل واحد منهم من ذلك ، بما يقتضيه طبعه في الخير والشر والنفع به والضر . ثم يبالغ في إكرام الأخيار من الطبقات التي دون ذلك وقمع الأشرار ، وقصد من يتحقق بطاعته بمجازاة تزيد في بصيرته ، والإنحاء على من ينحرف عن موالاته بما ينكله وينكل غيره عن مثل طريقته ، ثم إفاضة العدل العام الذي ينال كل منهم نصيبه الموفور منه . ثم تسهيل الاذن بقلع الظلم من أصوله ، وغرس محبة الوالي في قلوب الرعية . ثم حفظ أطرافهم وأمان سبيلهم ، لتتوفر معايشهم ، وتدر متاجرهم ، واستعمال العقوبة الناهكة بأهل الدعارة واللصوص من القتل المبير والحبس الطويل ، فهم كالشوك بين الزرع ، لا ينمي ولا يصلح إلا بتنقيته منه . ثم التعطف على الضعفاء وترفيههم عن الكلف السلطانية ، من تسخير لهم أو استعانة بهم . 25 - وليعلم أن كثيرا من الفتن تهيج بشكاية الضعفاء ، وحقد الأغنياء . ويجب أن يتناول ما بعد منهم من السياسة والعدل بمثل ما يتناول به القريب أو أكثر ، وليس بسائس من خص بحزمه بعض ملكه . ومثل العارض البعيد ، إذا لم يستدرك عاجلا ، كمثل العضو يسقم من البدن ، فان تلوفي وإلا سرى فساده في الجسد . 26 - ولا يكونن الملك لشيء أنكر منه لرشا العمال والأصحاب ، فإنها رأس الجور والفساد ، وصلاح الأطراف البعيدة بشيئين : رفع الحجاب للمتظلمين ، وبعثه في كل وقت الأمناء الثقات المتعرفين . 27 - ومما يحتاج إليه - وقد مر نبذ منه - : تعهد ذوي الأخطار والعلماء وأهل الأبواب بالتقريب ، واختصاص الواحد منهم بعد الواحد بالتانيس والإكرام والمؤاكلة والمنادمة . ولا يجعل أنسه كله مقصورا على خاصته ، وليكن ما يفعله من أمر هؤلاء الأماثل بددا غير محصور ، والغرض فيه الإيناس وإزالة النفور . 28 - ثم إحسان مجاورة جيرانه في الممالك التي تلي مملكته ، فحاله معهم كحال الواد من السوقة مع جيرانه ، لما أسست عليه الدنيا من الحاجة إلى التعاضد . وأن يبالغ في بر الواردين عليه من رسلهم ، وأن يتصنع لهم بتفخيم مجلسه ، وإظهار جماله وزينته ، ومظاهرة بره لهم وتكرمته . والله الله أن يطيل حبسهم عنده ، ففي ذلك من الفساد ما يطول شرحه ، والمدة التي يقيمونها ، فليكونوا محروسين ملحوظين من مخالطة أحد من الخاصة والعامة إلا من عرفه الملك . 29 - ثم يتفقد مدينته بل مدنه كلها بضبط طرقها ، ومعرفة من يدخلها ويخرج منها ، والوقوف على الكتب المختلفة إلى أهلها من التجار وغيرهم ، وليضبط مدينته ضبط الرجل من الرعية داره ، ولا يخرج عنها أحد إلا بجواز ، ولا يدخلها إلا باذن . 30 - ثم يوكل فكره بالأخبار ، والبحث عن الأسرار فيما قرب منه وبعد عنه ، وجاوره من ولي وعدو ، ومبلغ ما عندهم من عدة ، وما يتجدد لهم من عزيمة . وهذا أمر يجب أن يسمح به بكل نفيس ، ولا يضن عنه بمال ولو كثر ، فربما دهمه من مجاوريه ، على غفلة ، ما يود لو سبق به علمه ولو أنفق الأموال الجزيلة عليه ، وبالله التوفيق . وكتب إلى بعض الرؤساء : ثقتي بكرمك تمنع من اقتضائك ، وعلمي باشغالك يبعث على إذكارك . وكان يقول : لا تعتذر إلى من لا يحب أن لا يجد لك عذرا ، ولا تستعن إلا بمن يجب أن تظفر حاجتك . ومر بمكتب والمعلم يضرب صبيا ضربا مبرحا ، فالتفت إلى من معه وقال : إن الله تعالى أعان على عرامة الصبيان برقاعة المعلمين . ومن كلامه : العمر علق نفيس لا ينفقه العاقل إلا في ما هو أنفس منه . قال الحسن بن أسد أبو نصر الفارقي : مر بي الوزير المغربي فوقف علي وقال : نحن بالأشواق إلى لقائك ، لما ينتهي إلينا من تلقائك ، فلو زرتنا لأنسنا بك ، فقلت له : قد كففت ذيل مطامعي ببيت قلته ، فقال : وما هو ؟ فأنشدته : إذا شئت أن تحيا عزيزا فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها قال : فصفق المغربي وقال : أيها الشيخ هذا بيت تبر لا بيت شعر . قلت ( ابن العديم ) : وجدت هذا البيت في بعض الكتب منسوبا إلى شاعر قديم ( 1 ) نصوص من أدب الخواص أنشد ( 2 ) يوما سيف الدولة أبو الحسن بن حمدان في مجلسه القافية التي أولها : « إن الخليط أجد البين فانفرقا » يعني من شعر زهير بن أبي سلمى ، فأبدى استحسانا لها ، فقال النامي المصيصي أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي : أراك كلفا بها أفتحب أن أمدحك بخير منها ؟ قال : نعم أشد الحب ، فلما كان بعد أيام لقيه راكبا على نهر حلب المسمى قويق ، قال : فترجل ووقف عليه سيف الدولة ، وأخذ ينشد قصيدة في غاية الحسن أولها : ما أنت مني ولا الطيف الذي طرقا ردا الكرى واستردا مني الأرقا فأراد سيف الدولة كياده والعبث به ، فاعرض عنه وأظهر استنقاصا لشعره ، فقطع الإنشاد في وسط القصيدة وركب ومضى ، وسيف الدولة يراه ، إلى شاطئ النهر ، فخرقها وغسلها ، فاحتمله سيف الدولة ولم ينكر ما كان منه ، ودرست آثار هذه القصيدة فليس توجد في ديوانه . امرؤ القيس ( 3 ) بن السمط بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن الحارث ، وهو الولادة ، سمي بذلك لكثرة ولده ، ابن معاوية بن ثور بن مرقع الكندي ، وفيه يقول امرؤ القيس بن حجر : ألا هل أتاها والحوادث جمة بان امرأ القيس بن تملك بيقرا وذلك أنه كان قد صحبه حين خرج من عند المعلى يريد قيصر فلم يزل

--> ( 1 ) فيما رواه الحميدي ( جذوة المقتبس : 118 ) عن ابن حزم أنه قال ، أنشدني الوزير أبي في بعض وصاياه لي : إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها ووالد ابن حزم توفي قريبا من أربعمائة ، وحوار الحسن بن أسد الفارقي والوزير المغربي تم في ميافارقين وذلك بعد سنة 415 ، فمن المستبعد أن يكون هذا البيت للفارقي ، بل هو أقد عصرا منه ، ووصل الأندلس قبل الأربعمائة . ( 2 ) بغية الطلب 2 : 36 . ( 3 ) بغية الطلب 3 : 311 .