حسن الأمين
91
مستدركات أعيان الشيعة
اختلاف الألوان يؤدي إلى سوء الاستمراء ، ويجب أن يعتمد الحكيم على ذلك ، ويوفر غيره مما تزين به الموائد على ندمائه وجلسائه . ومن الحكمة فيه أن لا يستوفي نهمته كلها منه حتى يملأ المعدة ، لأن الطعام إذا بدأ بالنضج ربا وانتفخ ، فإن لم يجد في تجويف المعدة متسعا أعقب الكظة . 6 - ومن الحكمة في الشراب أن لا يبلغ الحكيم منه مبلغا يزيل العقل ويصدئ الذهن ، بل ما يكسب هزة وأريحية . وأقبح ما بالسلطان أن يبلغ آخر أمد السكر ، فيبقى سلطانه في ذلك الوقت مهملا ، بل يجعل لنفسه وظيفة يتعلل يشربها ولا يتعداها ، ويتناول منها في أول مجلسه كئوسا وافرة ، توقد نار الطبيعة وتذكيها . ثم يتعلل بعدها بما يستديم المؤانسة إلى أن ينقضي وقت الشراب ، وهو ثمل طيب النفس ، غير زائل العقل . وليحذر النهوض عن مجلسه وقد انهتك الستر بينه وبين خدمه وحاشيته . 7 - ومن الحكمة في الشرب إغبابه ، وإفراد يوم له ليتناوله على جمام له ونشاط إليه ، فتتوفر لذته ويكون أكثر زمانه لما يهمه . 8 - ومن الحكمة فيه إخلاء المجلس له إلا من أخص الندماء ( و ) قد اطرحت الحشمة معه ، وأن لا يحضر خدمته إلا العدد اليسير الذي لا يستغنى عن خدمتهم . 9 - والصبر على السهر من أشرف صفات الملوك ، وغلبة النوم من أدونها ، ويجب أن يسهر ربع الليل الأول ، ويستيقظ وقد بقيت منه بقية صالحة ، وأن يستعين بنوم النهار ، لأنه لا يخاف من طروق حوادثه وفوت تلافيها . ( و ) مما يخاف من حوادث الليل جلب الحوادث الهائلة ، ولذلك وجد في الحيوان المخلوق للحراسة كالكلاب والإوز طبيعة السهر . 10 - ومن حفظ الصحة الحمام ، وفيها استفراغ فضول الأطعمة والأشربة . والملوك إلى ذلك أحوج من الرعية ، لأن الرعية تنفي ذلك عنها بالحركات والصنائع الشاقة . ومن احتاج إلى تنقية بدنه من الفضول بالحمام ، فليدخل البيت الثالث ، بمقدار ما تحتمله طبيعته . ثم يصب على جسده بعده ماء فاترا ، ليجفف المسام ، ويرد الحرارة إلى قعر البدن ويمنع من كثرة التحلل . وإذا خرج منه فليحذر كل الحذر ، مبادرة الأكل والشرب ، إلا بعد استراحة ونومة يسكن بها ما عرض في بدنه من التموج والاضطراب ، فان ذلك خطر وجالب لكثير من العلل . 11 - والرياضة من أعون الأمور على حفظ الصحة ، فلتكن أمرا قصدا ، وبحسب العادة والاحتمال . ومن أصلحها للملوك اللعب بالصولجان ، لأنه مع الرياضة تخفيف للحركات ، وتعود للمثاقفات . 12 - وأول سياسة الملك لنفسه : استعمال تقوى الله تعالى ، وأن لا يخلي وقته من ذخيرة يدخرها بينه وبين ربه . ثم الإكثار من تذكر نعمة الله عليه في أن رفعه وخفضهم ، وملكه تدبيرهم ، وفضله عليهم . فليواصل حمد الله تعالى عليه ، ويجعل من مجازاة نعمة الله عليه العدل فيما ولاه ، والإحسان إلى من استرعاه ، والسهر لنومهم ، والتعب لحراستهم ، وأن لا يظن أن غرض الوالي تحصيل الراحة والدعة ، بل هو أحق الناس بالتعب ، وأولاهم بالنصب . 13 - واللذات إما مباشرة للأعمال ببدنه ، أو تفكر فيها بقلبه ، والسائس الفاضل لا راحة له بالحقيقة ، ولا طريق له إلى اللذة ، إلا بمقدار ما يجم نفسه في أوقات يسرقها من زمان شغله . فيجب أن يوازن بها ما يتعوضه عنه من جميل الذكر ، وجليل الذخر ، ثم رضى سلطان له إن كان فوقه . ولا رتبة أبهى من رتبة العز ، ولا زينة أجل من زينة المقتدر النافذ الأمر ، ولا حلية أحسن من حلية الثناء والشكر . فهذه لذات الساسة الحكماء ، وأعواضهم من الكد والعناء ، وإن هم حفظوا الأصول فقد ينالون الفروع ، التي هي اللذات ، في أوقات لا تخل باشغالهم ، فيجتمع لهم الأمران . 14 - ثم ليحذر كل الحذر من تأخر عمل يوم إلى غد ، فان لكل وقت شغلا . وهذا الخلق من المدافعات بالمهمات أدهى الدواهي ، التي تتابع لها الخلل ، وانهدمت لها الدول . 15 - ثم ليجتهد أن يجعل طاعة الخاصة والعامة له طاعة محبة لا طاعة رهبة . فإذا أطاعوه محبة حرسوه ، وإذا أطاعوه رهبة احتاج إلى الاحتراز منهم . وشتان بين حالين : إحداهما تجعل الناس حراسا ، والأخرى تحوجه إلى الاحتراس منهم . ولسنا نعني بزوال الرهبة خلو قلوب الرعية منها بالموجدة وإنما نعني أن يكونوا في حال رهبتهم له ، واثقين بعدله آمنين من تعسفه وظلمه ، فتكون الرهبة حينئذ كمخافة الولد الوالدة ، بفرق أو بأدب ، وهو يعلم أنه لا يريد إلا خيرا له . 16 - ورأس السياسة إنجاز الوعد والوعيد ، ومكافأة المحسن والمسيء ، والوفاء في الجد والهزل ، والاستخدام بالكفاية لا بالغاية ، والتيقظ للأخبار في القرب والبعد . فمن أحرز هذا الفصل ، وأحاط بمعانيه أحاط بالسياسة كلها ، وبالله تعالى الثقة . 17 - وليجتهد في إحراز الحظ الجزيل من فضائل النفس وهي : العلم والعفة والحلم والسخاء والشجاعة : فمن العلم معرفته بما يأتي ويذر ، وشدة بحثه عن كل ما جل ودق . ومن العفة تنزهه عن المكاسب التي فضلتها الرعية ، ويجتهد أن تكون وجوه دخله مناسبة لجلالة قدره وعلو منزلته ، لا يهتك فيها للدين ولا للمروءة سترا ، ولا يبعث بها على أحد من الرعية انتقاصا وظلما . ومن الحلم تأخير عقاب المقصر إلا بعد تكرير تنبيهه ، والأعضاء عن أول وثان من جرمه ، فإذا انقطع العذر أوقع العقوبة بموقع السياسة لا التشفي ، والعدل لا التعدي . وأما السخاء فان لا يمطل حقا ، ولا يخيب أملا ، ولا يؤيس قاصدا ، فإنه يستعيض بعز الولاية وجاه القدرة خلفا من كل ما ينفقه . وليعلم كل وال أنه وكيل الله على ماله ، وأن عليه حقا واجبا لكل ابن سبيل ، ومنقطع به . فليخرج إلى موكله مما يلزمه له ، وإلا لا يأمن من استبداله به وحفظه عليه . ومن الشجاعة أن يشعر قلبه أنه لا يجوز أن يكون الجبان ضابطا لأمره ، ولا حارسا لرعيته ، وأنه إذا استشعر أعداؤه وأولياؤه ذلك طمعوا في عطفه ، وتدرجوا إلى اطراح مراقبته ، وأن يجعل وكده كله جمع الرجال والأسلحة والخيل والعدد . 18 - وإن وثق السائس بتحصيله فليدرس أخبار الماضين ، ليجتنب