حسن الأمين

70

مستدركات أعيان الشيعة

« وزيرا » فقط ، بل كان « الوزير الكامل ذا الجلالتين » ، ولا ندري متى أحرز كل هذه الألقاب ، ومن لقبه بها ، والأرجح أن ذلك تم في الفترة العراقية . بعض مجالات اهتمامه 1 - شعره ونثره : لا تفتا المصادر تردد أن للوزير المغربي نظما فائقا في الذروة ، وترسلا فائقا ، وأنه سيطر على صناعتي الشعر والنثر ، وأن له ديوان شعر ورسائل ، لعلهما كانا مجموعين معا . وينفرد الثعالبي بقوله إنه « كان يجري في طريقة ابن المعتز نظما ونثرا ويجاذبه طرفيهما » ( 1 ) وقد وصلنا من أشعاره مائة و [ حمس ] خمس عشرة وحدة بين مقطوعة وقصيدة ، والمقطعات أغلب ، كما وصلنا من رسائله وأقواله خمس وعشرون وحدة . وليس في شعره أو نثره ما يشير من قريب أو بعيد إلى شركة بينه وبين ابن المعتز ، ولعل تباينهما في الشعر أوضح . فابن المعتز شاعر التصوير المتناوب في جماله بين الأصالة العريقة والصنعة ، بينما ليس من هم الوزير طلب الصورة أبدا ، وإذا جاءت في شعره فإنما تجيء عارضة . وشعره في المقطعات يدل على أنه كان يتعمد العبارة الحلوة والمعنى الجديد ، فمن العبارة الحلوة قوله : زعم الفراق دعا به فأجابه ونعم دعاه فلم أراد يجيبه ومن الجدة في المعنى قوله : محا حسن ياسي شخصه من تذكري فلو أنني لاقيته ما عرفته فهذا عكس للمعنى المألوف ، وهو آسر لأنه يفاجئك بغير المتوقع . وفي شعره على الجملة نغمة من لوعة دفينة أسيانة . وإذا صح أن الأبيات التالية له ، فإنها تمثل قمة الوجد في نضارة تعبير : أقول لها والعيس تحدج للسرى أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر سانفق ريعان الشبيبة آنفا على طلب العلياء أو طلب الأجر أليس من الخسران أن لياليا تمر بلا شيء وتحسب من عمري ومن شدة تطلبه للمعنى الأخاذ يحمل كثيرا على التعمل الذهني ، ويبعد في طلب المعنى فلا يأتي بشيء جديد كقوله : كان لي في انتظار شيبي حساب غالطتني فيه صروف الدهور وكذلك لا تعدم اللفتات المستملحة في مثل قوله : فقال لي الحبيب وقد رآني سبوقا للمضمرة العتاق ركبت على البراق ؟ فقلت كلا ولكني ركبت على اشتياقي وهذا الاستملاح لائق بالمواقف الغزلية والعاطفية ، وهو يتحول إلى عمق عاطفي في شعر الرثاء . ولكنه لا يصلح للشعر التعليمي والحكمي ، ولهذا كان هذان اللونان من الشعر يتحملان لديه قسطا من الفجاجة إذا قورنا بشعره العاطفي . وكذلك يمكن أن نقيم المقارنة بين مدائحه ومراثيه ، إذ كانت الأولى قائمة على الدعوى والثانية على المشاعر الصادقة . ومما يجسم الأمر بين هذين اللونين أنه لم يكن يرى لممدوحيه فضلا عميق الجذور في نفسه ، بل لعله كان يرى نفسه فوق المدح ، بينما كان الذين رثاهم يتمتعون بمكانة عالية لأنهم علويون مثل الشريف الرضي والشريف أبي الحسن صهر الوزير . ولو قارنت مراثيه في أمثال هذين بمراثيه في إلف له فقده لوجدت درجة العاطفة واحدة ، وإنما يقع التمايز في اختلاف العلاقة . ولعل أحفل نماذج شعره في التصوير القصيدة الأخيرة في هذا المجموع وفيها يصور سابحا : فكأنه في الموج قلبي بين أشواقي إليه فتصوير الأشواق بالموج وفي وسطها القلب وهي تتلاطم من حوله صورة غير مألوفة : والماء مثل السيف وهو فرنده في صفحتيه تركيب جديد لمواد مألوفة في التصوير . أما الصورة البعيدة حقا فهي نهيه الناس عن شرب ماء النهر الذي كان يخوضه ذلك السابح لأن الحسن ذاب فيه : أتراه يعني أن من شرب منه سحر ؟ وعلى هذا تقوى رواية من روى « قد ذاب فيه السحر » ولكن هذا اللون من الشعر غير كثير لديه . وجملة القول في شعره أنه نموذج لشعر الكتاب في الرقة والطلب للمعاني . أما رسائله فيبدو فيها التفاوت بحسب العمر والموضوع : فرسالته التي كتبها إلى أبي العلاء المعري وأخيه تراوح بين النثر والشعر بشكل يكاد يكون متساويا ، وهي طريقة تخلى عنها عندما توفر له النضج . والموضوع في الرسالة الأولى مثلا هو التحدي بالمعرفة ، ولذلك لم يهتم فيها بالنسق الأسلوبي قدر استعراضه لمعارفه المختلفة ، أما المطارحات الاخوانية فقد أصبحت قائمة على أسلوب مسجوع من حيث الشكل وعلى تفنن في التعبير عن المشاعر . وخير ما يظهر براعته في الناحيتين رسالته إلى الشريف أبي طاهر في باز كان يتصيد به وفر منه . هنا يمثل فرار البازي الغدر من يد من رضع الوفاء ، وبعد إقامة هذا التناقض يلتفت الكاتب إلى الدراج التي ارتاحت نفوسها لذلك الفرار ، ممن ؟ من الكوكب المنقض على مسارحها ، والسهم القاصد إلى مذابحها . وهكذا يفتح الكاتب المجال لتصوير ذلك « الغادر » الذي كان في الوقت نفسه وفيا لضحاياه من الطيور ، ثم يلتفت إلى المغدور الوفي الذي سيعد للطيور الفرحة شماتة ذوات ظفر جدد أشد فتكا . ثم يجد الأعذار لفرار ذلك الذي سماه غادرا ، وكل أعذاره ترجع إلى علو همة صاحبه ، وهكذا يتنقل الكاتب في رسم المفارقة بين البازي وصاحبه وموقف الطيور الأخرى منهما . والحق أن المغربي كان إماما في الكتابة بين كتاب عصره ، ولكن ما وصلنا من رسائله قليل ، إذ ضاع منها رسائل كثيرة . ومن رسائله التي ضاعت رسالة كلفه الخليفة القادر بالله كتابتها ردا على فئة من اليهود ( 2 ) ، وهي رسالة تعرض ثقافة وجدلا بأكثر مما تعرض أسلوبا فيما أعتقد . ولا يقل أسلوبه الذاتي في كتبه عن رسائله جزالة سبك وروعة عبارة ، والفرق بين أسلوبه في الحالتين هو اعتماد السجع في الرسائل وعدم اعتماده في

--> ( 1 ) تتمة اليتيمة 1 : 25 . ( 2 ) اعتاب الكتاب : 206 .