حسن الأمين

64

مستدركات أعيان الشيعة

رؤساء الأتراك والديلم ويعمل على استمالتهم ، ويتصل بمن يستطيع أن يمهد له نيل الوزارة في بغداد ( 1 ) . ولا بد أن ذلك كله كان قبل عام 411 ، ففي [ هدا ] هذا العام يخبرنا ابن الأثير أن قرواش بن المقلد قبض على وزيره أبي القاسم المغربي وعلى شخص آخر اسمه سليمان بن فهد ( 2 ) ، غير أن سبط ابن الجوزي يجعل حادث القبض عليهما في صفر من السنة التالية ( 3 ) ، ويقص السبط علينا تقلب الحال بسليمان الوزير حتى قيض له أن يلتقي بالمقلد والد قرواش ، ثم كيف خدم قرواشا نفسه بالموصل فصادر الناس ووترهم ، حتى استوحش منه ابن أبي الوزير وزير قرواش ، فهرب من الموصل إلى بغداد ، فلما وزر ابن المغربي لقرواش بعد موت ابن أبي الوزير الملقب بالكافي وعد سليمان بخلاص أملاكه . وأقام سليمان في دار ابن المغربي بمنزلة الضيف ، ولم يفلح ابن المغربي في تخليص الأملاك ولا اليسير منها . وجرت أحداث جعلت ابن المغربي يوجس خيفة من قرواش ، وينتظر الفرصة للخلاص منه ، فزين لقرواش مد الأسباب إلى أبي نصر صاحب ديار بكر ومصاهرته ، وطلب العون منه ، وقال لقرواش : ما يقوم بهذا الأمر غيري ، فاذن له قرواش بالخروج ، فخرج واصطحب معه سليمان بن فهد ، ومضيا فنزلا بظاهر الموصل ، وفيما هما كذلك مر بهما بدران أخو قرواش وكان يمقتهما ، فرآهما يعدان للرحيل ، فدخل على أخيه وقال له : باي رأي تترك هذين الرجلين يخرجان من يدك ، وقد أخذا مالك ؟ فأرسل قرواش فقبض عليهما واعتقلهما ليطالبهما بالمال ، فاما سليمان فمات تحت الضرب ، وأما ابن المغربي فإنه أرسل إلى قرواش يقول له : إن كنت تريد نفسي فهي بين يديك ، وإن كنت تريد المال فمالي بمصر والكوفة وبغداد ، وتطيب نفسي بتسليمه إليك ، فان حفظت نفسي أعطيتك المال . ثم بذل له ما حضره من مال ، وخدعه بالقول اللطيف وبالوعود ، فانخدع له ، وأخذ ما وجده معه وأطلقه ( 4 ) . 6 - هل بقي الوزير المغربي يعمل عند قرواش بعد أن أطلقه من الاعتقال ؟ ذلك مستبعد فيما أرى ، لأن بقاءه هنالك سيظل يذكر قرواشا بوعود لم تحقق ، ولهذا أقدر أنه غادر الموصل إلى بغداد ، لعل التغييرات في الحضرة البويهية تجيء في صالحه . ومن الصعب أن نحدد مدى تنقله بقية عام 412 والذي يليه ، ولعله في هذه الفترة دخل الأنبار ، وكان منذ هاجمه المرض في بدليس قد أصبح عرضة لهجماته ، وللمرض صلة بالمعدة والأمعاء . وفي الأنبار عرض له قولنج صعب ، أقام لأجله في الحمام واحتقن عدة حقن ، وشرب عدة شربات ، ولكن ذلك كله كان غير ذي جدوى . عندئذ أرسل ابنه أبو يحيى إلى الطبيب أبي منصور صاعد بن بشر بن عبدوس ( وهو أول من نبه إلى تدبير الأمراض التي كانت تعالج بالأدوية الحارة باستعمال التدبير المبرد ) فجاء صاعد فوجد الوزير وجسمه شديد الحرارة من المكث في الحمام ومن استعمال المعاجين الحارة والحقن الحادة ، وعندئذ استدعى الطبيب كوز ماء مثلوج وأعطاه للوزير ، فشربه بعد توقف ، وأخذت نفسه تقوى ، ثم استدعى فاصدا أخرج له دما كثيرا ، وسقاه أدوية مبردة ، ونقله من الحمام إلى غرفة مبردة بالخيش ، ونبهه إلى أنه سينام ويعرق ويستيقظ ويعاود المرحاض مرات . وحدث ما توقعه صاعد إذ نام الوزير حوالي خمس ساعات ، ثم صحا من نومه وأخذ يصيح بالفراش ، وكان الطبيب قد أوصى الفراش أن يجعله يستأنف النوم كي يستمر نضح العرق ، ولما خرج الفراش من غرفته ذكر أن ثيابه كانت كأنما صبغت بماء الزعفران ، وتردد إلى المرحاض بعد إفاقته ثماني مرات ، وأوصى له الطبيب بمزورة ، وسقاه ماء الشعير مدة ثلاثة أيام حتى اكتمل برؤه ، وكان الوزير يقول : طوبى لمن سكن بغداد دارا شاطئة ، وكان طبيبه أبو منصور ، وكاتبه أبو علي ابن موصلايا ، فبلغه الله أمانيه فيما طلب ( 5 ) . 7 - بين سنتي 409 - 412 كان وزير مشرف الدولة البويهي ببغداد ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور ، وبينه وبين الوزير المغربي مراسلات ، وهي توري حينا وتصرح حينا بما في نفس الوزير المغربي من ميل إلى خدمة ذي السعادتين . ولا يقل عنه ذو السعادتين مهارة في استعمال التعابير الغائمة التي لا يستطيع المرء فيها أن يقبض على حقيقة ، وكلاهما يتباريان في سوق الثناء على ما أحرزه هذا أو ذاك من بلاغة وفصاحة . وفي إحدى الرسائل ذكر ذو السعادتين شيئا يتصل ب « التفويض والتعويض » فارتاح الوزير المغربي إلى هذا الوعد ، وعلق على ذلك بقوله : « وجملة ما اقترحه أن يتصور في ما يتصور في بعض الأقربين من خادم يصطنع فيجري من الحنو عليه مجرى خواص الأهل وأداني الأصحاب . . . » ( 6 ) ، غير أن مقتل ذي السعادتين حال دون نيل أي شيء من جهته . ومع أن الوزارة أصبحت تتطلب كفئا يخلف ذا السعادتين فان مشرف الدولة لم يتجه بنظره نحو المغربي ولم يفكر فيه بل استوزر سنة 413 أبا الحسين الرخجي ولقب مؤيد الملك ( 7 ) ، وبقي هذا في الوزارة سنتين وبضعة أيام . وفي السنة التالية استوزر مشرف الدولة أبا القاسم المغربي ( 8 ) ، وكان ذلك بعون من الأثير أبي المسك عنتر الذي كان على صلة بالوزير المغربي من خلال المراسلات ، ومن خلال سفير بينهما هو أبو الحسين ابن وصيف ( 9 ) . ولما تربع على دست الوزارة البغدادية ، وكان ذلك حلما طالما هجست به نفسه ، أصبح مقصدا للشعراء ، فمدحه عدد منهم من أشهرهم مهيار الديلمي ، ومن مدائحه فيه قصيدة له مطلعها : عسى معرض وجهه يقبل فيوهب للآخر الأول ومنها في المدح : فداك وتفعل ما لا تقول ممن يقول ولا يفعل سللت على المال سيف العطاء فلاحيك في الجود مستقتل فلما انتهى من الإنشاد أبدى الوزير استحسانه للقصيدة وأشار إلى الناحية التي فيها الدنانير والدراهم ، فجلس مهيار إليها وملأ كميه منها تباعا ، حتى لم يبق شيئا ونهض فقبل الأرض وانصرف ، وكان مجموع ما

--> ( 1 ) بغية الطلب 5 : 26 . ( 2 ) تاريخ ابن الأثير 9 : 321 . ( 3 ) مرآة الزمان ( أحمد الثالث ) 12 : 33 . ( 4 ) مرآة الزمان 12 : 33 ( وهو موجز جدا عند ابن الأثير 9 : 321 ) وجاء في مرآة الزمان 12 : 47 أن قرواشا لم يقتل سليمان بل خرج مع المغربي إلى نصر الدولة وأقام في ضيافته حتى أصلح حاله مع قرواش وعاد إليه . ( 5 ) ابن أبي أصيبعة 1 : 232 والوافي بالوفيات 16 : 237 . ( 6 ) انظر الرسالة رقم : 7 . ( 7 ) ابن الأثير 9 : 329 . ( 8 ) ابن الأثير 9 : 331 . ( 9 ) بغية الطلب 5 : 26 .