حسن الأمين
342
مستدركات أعيان الشيعة
كلها ، ثم صدهم مرتين عن محاولتهم الوصول إلى القدس . وأتذكر الأسطول الفاطمي العظيم الذي أصبح سيد البحر المتوسط فهزم البيزنطيين في البحر كما هزمهم الجيش في البر . وأتذكر قصائد ابن هاني في وصف المعارك البرية والبحرية وانتصاراتها العظيمة ، لا سيما قصيدته في وصف الأسطول ، وقصيدته في معركة ( المجاز ) . وأتذكر أن كل ذلك كان انطلاقه الأول من هنا من المهدية ، من بين هذه البيوت المتراصة حولي ، ومن على هذه الطرق الممتدة أمامي . ثم أتذكر ذلك الوهج العلمي المتالق الذي شع على العالم الإسلامي من قاهرة المعز والذي عبر عنه المؤرخ المصري الدكتور محمد كامل حسين بقوله في بعض ما قال : ( فالقاهرة الفاطمية أصبحت مطمح أنظار العلماء ، ومحط رحال الطلاب . وفي العصر الفاطمي استطاعت مصر أن تنتزع زعامة العالم الإسلامي في الحياة العلمية ) . وأتذكر أن الشعاع الأول لكل ذلك قد انبثق من هنا من هذه المدينة التي أسير الآن في دروبها . ثم أتذكر ما جناه الجانون على ذلك التاريخ باحقادهم وعصبياتهم وافتراءاتهم ، فيتجاذبني في المهدية عاملان : عامل الزهو بوقوفي على مرابع الفاطميين الأولى ، وعامل الأسى على ما انصب على تاريخهم المجيد من ظلم وبغي . وانعقد اللقاء في جلسته الأولى ، وكانت السفارة التونسية قد سلمتني قائمة بعناوين الموضوعات التي ترى وزارة الثقافة أن يبحثها المحاضرون ، فاخترت منها هذا العنوان : ( المهدية قاعدة حكم وعقيدة ) . وجعل المشرفون على اللقاء محاضرتي المحاضرة الأولى حيث افتتحوا بها الملتقى ، فتحدثت فيها بايجاز لا يسمح الوقت بأكثر منه عن المهدية قاعدة الحكم والعقيدة مدعما أقوالي بما لا يستطاع نقضه من الوثائق التاريخية الثابتة . ولم تكن قاعة المحاضرات واسعة لأن الدعوة كانت مختصة بطبقة معينة من المثقفين لا سيما في التاريخ . وأشهد أن الحاضرين قابلوا المحاضرة بمنتهى التقدير وصفقوا لها طويلا معترفين بحقائقها المجلوة أمامهم ، وقد جرى بعدها نقاشات طويلة كانت تستزيد التفصيل في بعض ما أوجزت به فأزيد تفصيلا وإيضاحا . وكان بين شهود الملتقى وزير الداخلية طاهر بلخجة لأنه من أهل المهدية ، فدعانا إلى وليمة فخمة ، وتنوع الحديث فقلت موجها الكلام إليه في الدرجة الأولى : أنه لشيء مسر أن تنتبه تونس إلى تاريخ الفاطميين فتحاول إنصافه ومن أولى منها بذلك ، وعسى أن يكون هذا اللقاء الخطوة الأولى في سبيل الإنصاف . فلم يعجبه هذا الكلام ورد عليه : بان في الأمر سلبيات وإيجابيات . فلم أشا أن أساله عن هذه السلبيات لأني أعرفها حق المعرفة ، وهي سلبيات لا يمكن تحويلها إلى إيجابيات بعد أن ترسخت في النفوس مهما كان لديك من حجج دامغة . وأدركت عقم البحث فسكت . ودعانا والي المهدية إلى وليمة حضرها رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة ، وكنت قد لقيته سنة 1947 في بغداد في حفلة تكريم أقامتها له نقابة المحامين حين كان يطوف البلاد العربية في سبيل استقلال تونس فتحادثنا هناك مليا وقارنا بين الاستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان وبينه في تونس ، وقلت له يوم ذاك : أرجو أن نلتقي في تونس وقد نالت استقلالها . وكان الفرنسيون قد رفضوا إعطائي سمة دخول ( فيزا ) عندما طلبتها وأنا في باريس ، فقلت له : سيأتي اليوم الذي أطلب فيه هذه السمة من السفارة التونسية وأدخل تونس . ولم أشا ونحن على المائدة وكنا نجلس متقابلين أن أذكره بهذا لأنه اليوم في عالم آخر لا يذكر فيه شيئا من ذلك الماضي . وتذكرت ما جرى للأديب العراقي مشكور الأسدي الذي كان في القاهرة طالبا في جامعتها عندما كان الحبيب بورقيبة لاجئا إليها ، شريدا معدما يكاد لا يجد قوت يومه ، وكيف أنهما تحابا وتصافيا فكان الحبيب يلزمه ولا يفارقه لا سيما على وجبات الغداء التي لم تكن تتجاوز يوميا صحنا من الفول المدمس الذي كان الحبيب يرى حصوله عليه نعمة يتمنى دوامها . وقد كان مشكور الأسدي مغتبطا بما صار إليه رفيقه القديم من رئاسة ونعيم ونفوذ ، وكان يمني النفس بان يزور تونس يوما ليرى رفيق البؤس في أسعد أيامه . وجاءت الفرصة وذهب مشكور في مهمة صحفية فاعرض عنه الحبيب وتجاهله ، لأن رؤيته له ومجالسته تذكره بالأيام السود وهو لا يريد أن يتذكرها . 3 - مؤتمر أدباء العرب ومهرجان الشعر العربي الذين انعقدا معا في بغداد ، وقد دعيت إليه شاعرا لا ناثرا فألقيت فيه قصيدة باسم لبنان هي الآتية : حب يظل على المدى متجددا وهوى يعود به الوفاء كما بدا بغداد يا حلم النفوس إذا هفت شوقا ويا لحن المحب إذا شدا الوجد فيك كما عهدت ولم يزل شوق الأحبة ما عرفت توقدا من رافديك كما تبسم دجلة عبر الضحى وكما الفرات تنهدا بالحب بالعهد الوثيق وبالوفا صغنا القلوب مودة والأكبدا كم كان طيفك للأحبة مسعفا إن لج شوقهم وذكرك مسعدا هذي العروبة في مواكب زحفها هبت إليك تجمعا وتحشدا صوت من الأدب الرفيع يشدهم ونداء صدق في حماك ترددا صوت ( الرضي ) إذا ترنم بالهوى وإذا استجاش إلى الوغى وإذا حدا صوت تردده الشعاب وتنتخي قمم الجبال تحفزا وتوعدا للثار للمجد المهيض لساعة في ضفة الأردن تنتظر العدا يا هاتفا في الواد عز مجيبه ومناديا في السفح طال به الندا من ضفة الأردن يصرخ داعيا ومن المهامة والذرا مستنجدا من مطلع ( النقب ) العزيز مذللا بيد العدا ومن الحمى مستعبدا من أربع هانت فلا متصبر بعد الهوان بها ولا متجلدا يا هاتفا ما الياس يخفت صوته ومناديا للثار ما نادى سدى